فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 100

ولكن الممكن ليس صورة فوتوغرافية للمستقبل _ في كل حال _ وإنما هو احتمال .. والعاقل _ على حد قول شيشرون_ يقبل كثيرا من الاحتمالات .. لأنها تبدو له مقبولة . مع ملاحظة هامة هنا هي أننا بقدر ما نكون مؤهلين ، وبقدر ما تكون معرفتنا أكمل ،بقدر ما تزداد قدرتنا على التنبؤ بصورة أفضل، وأقرب إلى الواقع ، فالمستقبل إنما يتحقق كما يتنبأ به العالم الذي يدرك مقدماته ، لا كما يتوقعه الجاهل .... والمنجم _ يمكننا أن نستبدله بالعالم _ لما تفحص عن بعض أسباب الوجود، ولم يطلع عليها جميعها ، لا جرم حكم بوجود الشيء ظنا، لأنه يجوز أن ما اطلع عليه ، ربما يعارضه مانع ، فلا يكون ما ذكره كل السبب، بل ذلك مع انتفاء المعارضات. فإن اطلع على أكثر الآسباب قوي ظنه، وإن اطلع على الكل حصل له العلم ... وهذا هو وجه العلم بالممكنات .

فهناك أمور يمكن التنبؤ بها بدقة شبه تامة، وتزداد هذه الأمور يوما بعد يوم، نتيجة ازدياد الأدوات التي بين يدي الإنسان من خبرة ومعرفة وتقنية، حصلها بالاستقراء والتجربة وبتراكم المعرفة. أفلا يمكننا _ مثلا _ بأن نتنبأ بموعد شروق الشمس في يوم معين؟ أو التنبؤ بوقوع خسوف أو كسوف في زمان قادم؟ وأن نتنبأ إلى درجة لا متناهية الدقة بمقدار تمدد معدن معين عرفنا المعطيات اللازمة"تحكمنا بشروط التجربة"

مع ملاحظة أن التقدم التقني، لا سيما في مجال الفيزياء الدقيقة ، قد أسقط مبدأ الحتمية"التقليدي"، ليحل محله مبدأ الترجيح والاحتمال .. وهذا لا يعيب أية نظرية علمية تبني حقائقها على الترجيح والاحتمال .. إذ يكفي أن تأتي الامور متفقة مع سياق النظرية ، وغير مناقضة لها .. وبذلك يكون هذا الوجود الممكن ، الذي نتوقعه"نتنبأ به"ليس واجب الوجود من جهة كامل تفاصيله ، بل له الحق في الوجود..""

الممكن .. والفكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت