فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 100

إذا كنا قد قلنا مع كانت بأن من طبيعة الفهم الانساني ، ولمصلحته، أن يقيم تمييزا حادا بين واقع الأشياء وإمكانها، وأن فكرة الإمكان لا توجد إلا في عالم الإنسان، فهي غير موجودة في العالم الأدنى، حيث الغرائز والحواس وردود الأفعال ، ولا في المستوى الأعلى ، حيث الفعل المحض، والخلق المستمر ... فالممكن مرافق للإنسان، هذا المخلوق الذي يرسف في حواسه وغرائزه في جانب ويشرئب عبر عقله وخياله"والخيال بعض وظائف العقل"إلى حيث المطلق.. في جانب آخر .

ولكن التجريبيين والوضعيين، كثيرا ما تبرموا من فكرة الممكن هذه، تبرمهم من كل ما لا تقدمه التجربة، حيث أعلى واجبات المعرفة عندهم أن تعطينا الحقائق ، ولا شيء غير الحقائق. والنظرية التي لا تؤسس على الحقائق"التي تثبتها التجربة"إنما هي قلعة قائمة في الفضاء .. وهم يعنون الحقائق العلمية؟! ولكن هل الحقيقة هي مجرد جمع معلومات حسية كما لا بد أن تفهم من مذهب التجريبيين والوضعيين؟ ..كلا.. وإن حقائق العلم الطبيعي لتشمل دائما عنصرا نظريا ... بل إن كثيرا من الحقائق العلمية الهامة ، والتي غيرت مجرى التاريخ ، إنما كانت حقائق افتراضية، قبل أن تصبح حقائق واقعية"ملحوظة".. بل إن الفرضية _ وهي عنصر مهم في منطق العلوم ومناهجها _ هي احتمال ممكن ، وتفسير مؤقت ، يقدمه العالم، ويضعه على محك التجربة. فالتجربة _ إن هي إلا قبول او رفض إمكانية معينة من التفسير...

بل إننا لنستطيع أن نذهب إلى ابعد من ذلك فنقول: إن الجسم الذي يتحرك دون أن يتأثر باية قوة خارجية، والذي افترضه"جاليلو"، لم .. ولن يشاهد أبدا . ومثل هذا الجسم لم يكن واقعيا.. وإنما كان ممكنا .. بل إنه إمكان عقلي مجرد وسيبقى كذلك ، لأنه لا يمكن أن يتحقق في الواقع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت