فهرس الكتاب
وهكذا ... فوجود الممكن .. ضروري لتقدم العلم والمعرفة الانسانية، وإذا عدنا إلى ملاحظة كانت ، نجد أنها تعبر عن حقيقة العقل العلمي تماما ، كما انها تعبر عن المميز العام للفكر النظري وما امتاز به كبار الفلاسفة ، والمفكرون والأخلاقيون العظام، والقادة، والثوار، والأنبياء، والمصلحون أنهم لم يكونوا يفكرون من خلال الواقع فحسب ، وذلك أن افكارهم ما كانت لتتقدم خطوة واحدة ، لولا أنهم وسعوا حدود الواقع ، واستعلوا عليه ، واستشرفوا بشفافية عبقرية معالم الممكن . وكانوا يتمتعون إلى جانب ملكات عقلية وأخلاقية فذة ، بخيال واسع ، وبصيرة نفاذة، ذات طاقة تخييلية باهرة، كانت تتخلل كل مقرراتهم ، وتمنحها الحياة ، وكل النظريات الأخلاقية التي صنعت بعد"الجمهورية"قد تخيلها واضعوها بنفس ذلك النحو من التفكير الأفلاطوني. فهم لم يتعاملوا مع العالم (الواقع) بماهو واقع، بل تعاملوا معه كما يجب أن يكون، أو بالأحرى كما يمكن أن يكون... أليس هذا مافعله (الفارابي) في «آراء أهل المدينة الفاضلة» ؟. وربما كان لكلمة الفاضلة هنا هذه الدلالة التي تحدثنا عنها؟ أولم يكن هذا مافعله (توماس مور) في (اليوتوبيا) .. فاليوتوبيا ليست صورة للعالم الواقعي، أو صورة للنظام السياسي والاجتماعي الواقعيين، إنما هي... أو إنما توجد (التيوتوبيا) في لازمان ولامكان... وإن كانت تقترح نفسها لزمان ومكان معينين.
وفكرة التعالي عن العالم المعطى، وعن الواقع.. واستشراف آفاق الممكن بالتالي- قد نجحت في الاختبار، وأثبتت قوتها.. وأهميتها في تطور العالم دائمًا، قديمًا وحديثًا. وفي التاريخ الحديث نجد أن (ماركس) وزميله (أنجلز) في البيان الشيوعي... و (ماركس) في (رأس المال) ، وسواه من الأعمال، إنما بشر بمجتمع لم يكن واقعًا، بل على العكس تمامًا.. كان نقيضًا للمجتمع الذي عاش (ماركس) وسطه.