فهرس الكتاب
بل إن من صميم الفكر الأخلاقي، ومن طابعه، أنه لايتنازل أبدًا ليقبل بالمعطى. فالعالم الأخلاقي ليس عالمًا معطى، جاهزًا، وإنما هو في التكوّن، وقيد الانجاز دائمًا.. يقول (جوته) :"العيش في العالم المثالي، معناه أن تعامل المستحيل وكأنه ممكن".
والحق أن الأنبياء، والرواد، وكبار المصلحين، والقادة التاريخيين... قد تعاملوا مع المستحيل، كأنه ممكن. وكلمة المستحيل يجب أن تفهم بمعنى المستحيل وجوده الآن، وليس المستحيل لذاته، وإلا كان التعامل معه نوعًا من العبث أو الجنون. وعظمة هؤلاء (الأنبياء والرواد و....) أنهم فسحوا مجالًا للممكن، في مقاومته التسليم السلبي للراهن. لأن هذا الفكر المتوثب لتجاوز الواقع، هو الذي يتغلب على القصور الذاتي (الطبيعي) لدى الإنسان، ويمنحه قدرة جديدة، وطاقة حيوية تساعده على أن يعيد تشكيل العالم الإنساني من جديد، وعلى الدوام.
فالممكن في مجال الأخلاق.. على الأقل، وفي مجال الاجتماع والسياسة، ليس صورة فوتوغرافية لما يمكن أن يحدث في المستقبل، وبكل التفاصيل الجزئية، إنما هو تطلع إلى تشكيل هذا المستقبل، وفق منهاج ممكن، ورؤية تحمل مبررات ومسوغات التحقق. بحيث يكون هذا المنهاج، وهذه الرؤية هاديًا على طريق التطور.. ومن حق الإنسان- بل من واجبه- أن يتجاوز الواقع المعطى له، إذا أراد أن يغير هذا الواقع بما يتناسب مع رؤيته ورؤياه.
وهكذا بدا واضحًا أن البحث في مفهوم الممكن لم يكن (فانتازيا) نظرية، وإنما الهدف منه تقديم المهاد الفكري، والتسويغ المعرفي، لوضع مشروع عربي، للخروج من المأزق القائم، الذي تتردى فيه أوضاع الوطن العربي، ولتقديم الحلول الممكنة، للاشكالات المتشابكة التي تواجه الأمة العربية، وأهمها مواجهة المشروع الصهيوني (المدعوم أمريكيًا) لإعادة ترتيب المنطقة، عبر ماسمي (الشرق أوسطية) .