اضطربت أنفاسي من جديد.. لم يتأخر العم كمال في وصل حديثه، قال:
-تلك الأحداث لم تسمح للص أن يستمر قديسًا، بل جرت لكي تقلب كل شيء من أجل أن تظهر الحقيقة.
عاد العم كمال إلى عادته القديمة في سرد حكاياته. ها هو يتوقف قليلًا ليوحي إليّ أنه يسترجع الأحداث. وعاد إلى الحديث:
-كيف استطاع جدك أن يجعل من عائلته قبيلة؟.. هيا اسألني... وسألته على مضض:
-كيف؟
-لقد زوج أولاده وبناته في وقت مبكر... وبدأ ينتظر أحفاده... وحين وصل أحفاده إلى سن الثانية عشرة سنة أو أكثر بقليل، قام بتزويج البنات للأولاد... لقد انهمك في عقد شبكة معقدة من الزيجات بين أبناء العم وبنات العم، وبين بنات العمات وأبناء الأخوال، وبين أبناء وبنات الخالات.. هل قلت شبكة معقدة؟.. كلا.. كانت شبكة غريبة محيرة، إلى درجة لم يعد يعرف فيها وَمَنْ ابن عم مَنْ، وابن خال مَنْ.. وكادت تقع زيجات غير شرعية جراء هذا التشابك.
-يا عم..
ويؤكد العم كمال:
-هذا ما حدث، وعليك أن تستمع.. غير أن الأمور لا تسير على الدوام بمنوال غاية في البساطة.
توقف العم كمال ليسألني:
-زهراو ابن أي خال من أخوالك؟
-أبن خالي صالح.
-وزوجته نعيمة؟
-ابنة خالي رحيم.
وانطلق العم كمال مواصلًا سرد حكايته:
-هذان الوغدان كانا وراء تحطيم أو كشف حقيقة خالك نجم..
-كيف؟
-كان زهراو في طفولته مشاكسًا، وحين أصبح صبيًا أظهر ولعًا غريبًا في صيد الطيور، وخاصة البلابل، وهكذا وجد في بستان جده مأواه الذي رفض من أجله بيت أبويه، ولقد أحسن خالك نجم استغلاله في العمل في البستان. وكانت نعيمة -التي هي في مثل سنه- كثيرًا ما تذهب مع أمها إلى البستان.. هما أولاد عم وأطفال.. وتعديا الثانية عشرة من العمر، ومازالا ينظران إلى بعضيهما كطفلين أو أخوين، لكن عيني جدك لا تخطئان أبدًا، فسال بحنق:
-ابن من هذا الجرو؟
وأجابت جدتك:
-ابن ابنك صالح.
وعاد الجد يسأل:
-وابنة من هذه الكلبة؟
-ابنة ابنك رحيم.
وهدر جدك بقراره:
إذن، ليتزوج هذا الجرو من هذه الكلبة.
وانطلقت الزغاريد.. حاول زهراو الفرار إلا أن جدك طرحه أرضًا:
-أيها الجرو، عليك أن تتزوج لكي تعرف دفء المرأة مبكرًا.. ماذا؟.. أتريد أن تبقى بلا زواج لتزيد لي عدد السفلة في عائلتي؟.