فهرس الكتاب
-لم يفلح أحد من إخوة نجم أو والده أو معارفه في إقناعه أو إجباره على هجر بستان العائلة والالتحاق للعيش معهم في المدينة. من فعل ذلك هو الزمن الذي أحنى قامة هذا العملاق الحازم القوي الإرادة. تظافر الكثير من الأحداث لجعله يهجر ذلك البستان الذي لم يكن بيتًا له فقط، بل وطنًا. أول هذا الكثير أولاده وبناته الذين التحقوا بمدارس المدينة. كانوا صغارًا يعبرون بقارب الشبانة مع الاخرين بدفاترهم وأقلامهم الرصاص، ليجلسوا مع أترابهم على رحلات الصفوف. ثم كبروا وأصبح لهم زورق خاص، ينحدر مع النهر صباحًا ويصعده ظهرًا. في ذلك الوقت بدأت خيوط الإهمال تغزل نسيجها ببطء في أماكن متفرقة من بستان العائلة الشاسع جدًا. لم يتوقف الزمن عن إيقاعه الرتيب. وعلى الرغم من رتابته غير المحسوسة، تخرج الأولاد والبنات، وتعينوا في مدارس ودوائر الدولة. ماعاد أحد منهم يهمه تلقيح النخيل أو الاهتمام بألواح الخضروات، عندئذ ظهرت الشقوق في سور البستان الطيني، ذلك السور الهائل الامتداد. ثم توسعت الشقوق لتتحول إلى فتحات كبيرة وانثلامات متعددة، وجدت فيها الثعالب وبنات آوى المسالك المناسبة للأغارة على البستان. ثاني هذا الكثير هو النهر الذي جعل أرجل الخراب تهرول مسرعة نحو البستان.. لقد ابتعدت ضفته تدريجيًا لتحتلها غابة قصب عصية على الاختراق أو الاقتلاع. إذا كان أولاده رحلوا من الطفولة والصبا إلى الشباب، فهو سار بخطى بطيئة من الشباب إلى الكهولة. ماعاد خالك نجم ذلك الفتى الذي يغطس حتى أنفه في النهر شتاء، لينظف ساقية ماكنة المياه، فجفت جداول البستان، وتحولت أرضه إلى بيضاء تعكس أشعة الشمس والقمر في لياليه المنيرة. ثالث ذلك الكثير الذي جعل اليأس يفيض من قلبه هو تقدم المدينة نحو بستان العائلة الذي هرم تحت عينيه. كان يرى البنايات من بين الفضاءات بين جذوع النخيل المستطال كربها. أخيرًا جاء فيضان في زمن الجفاف فأغرق، ليس البستان وحده، و إنما الأرض التي تمتد بعيدًا، فتقوض البستان، وقبل ذلك تقوضت إراداته التي كانت في يوم عصية على النهر والرياح وكل صنوف الخطوب. قرروالماء يصل حتى وسطه أن يهجر البستان.
توقف العم كمال ليتساءل:
-هل كان أحد في ذلك الوقت لديه اليقين أن خالك نجم لم يتعذب؟.
بدا لي العم كمال في هذا التساؤل منصفًا لخالي، فقررت أن أستمع إليه جيدًا،لا.. ينبغي أن أحثه على الكلام حتى لا يبتلع نصفه. باشرت قراري:
-هل تعذب؟