فهرس الكتاب
-من يدري؟
ثم واصل الكلام:
-لم يعبر خالك نجم نهرًا واحدًا إلى المدينة، بل نهرين ليتطوح من طرف المدينة الغربي إلى طرفها الشرقي، من الخضرة والنخيل والمياه الجارية، إلى الأرض الخلاء الموحشة، السبخة، المترامية من وراء ملعب الماجدية حى شريط البساتين الذي يرى أسود ملتصقًا بالأفق. أراد خالك نجم مدينة خاصة به بعد أن فقد عالمه الخاص في بستان العائلة. رفض أن يعيش مع أي من أولاده أو مع أبيه أو أحد أخوته. اشترى أرضًا في ذلك الخلاء الموحش الذي كان وطنًا للحيوانات البرية واللصوص والفارين من الخدمة العسكرية، لأن سعر المتر كان أقل بكثير من سعر التراب. لم يشاركه في ذلك البيت المتوحد سوى زوجته التي أصبحت عجوزًا مثله. ثم حدث الذي كان جدك يخاف وقوعه، ذلك الحدث الذي انتظره سنوات دون يأس، لأنه يمتلك قناعة لا تتزحزح بأن ابنه البكر هذا أكبر لص استطاعت امرأة أن تأتي به إلى الوجود.
-يا عم كفاك شتمًا لأهل أمي.
-يا ابن أخي الوغد استمع ولا تقاطعني.. حدث الأمر بشكل عاطفي في البداية، فقد قلق أخوالك الآخرون على أخيهم البكر، كيف يمكن أن يعيش بعيدًا عنهم، في تلك الأرض الخطرة التي تعج باللصوص وقطاع الطرق والهاربين من الجيش؟. كيف يمكن له أن يحمي نفسه وزوجته من تلك الأخطار؟. تساءل الجد وهو يسمع هذه الكلمات مصحوبة بحسرات الألم:
-أصحيح ما أسمع؟. متى كان الحمير يشعرون بعواطف متدفقة بهذه القوة؟. تخافون على أخيكم نجم من اللصوص وقطاع الطرق؟. عليكم أن تقلقوا على أولئك المساكين قطاع الطرق واللصوص من أخيكم نجم لئلا يسرقهم، إذا لم يصبح زعيمًا لهم لحد الآن.
عندما تذكروا من يكون نجم اقتنعوا بكلام الجد. لكن لم يكفوا عن التفكير به بطريقة أخرى. أكثروا من زياراته، وخلال ذلك وجدوا من الحكمة أن يشتروا أراض لهم إلى جواره مادام السعر زهيدًا جدًا.
-وجدي ألم يعترض؟
-لا... جدتك هي التي اعترضت، فقد اعتبرت رحيل العديد من أولادها إلى ذلك المكان انهيارًا لعالم عائلتها، لكن جدك وبخها:
-ليذهب من يريد أن يذهب وراء ذلك اللص، على الأقل سنتخلص من عدد من الحمير. ماعادت بيوتنا تستوعب اكثر، فنساؤنا يبدو أنهن من صنف الأرانب.
فهاجت الجدة ونجح هياجها في إسكات الجد.
خاطبني العم كمال بلجة ودودة:
-لا تتألم، لم أذكره إلا كلمات جدك.
بدا لي أن العم كمال أجاد في الإساءة لأهل أمي. قبل أن أنطق كلمة جاءني صوته: