فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 58

اجتاز العم كمال صالة العمليات بشجاعة محارب قديم. مر من تحت المشارط الحادة والملاقط المعوجة اللامعة، بتلك الشجاعة المعززة بمخدر الكلوروفورم الفعال. فتح جفنين مزرقين بتأثير المخدر، وابتسم لي ابتسامة واهنة، ثم قلب نظره بين أفراد عائلته التي اكتظت بهم الغرفة الصغيرة. لم يعد لي مكان وسط هذه القبيلة المشحونة بالعاطفة. تعين علي أن أخطف حقيبتي الصغيرة وأتوجه إلى منطقة حافلة الركاب المقابلة للمستشفى. حالما وجدت نفسي خارج الغرفة خامرني إحساس بأنني لن أرى العم كمال مرة ثانية، وهذا هو الذي حدث، فقد جاءني نعيه بعد سنتين من لحظة خروجي من الغرفة.

في باب المستشفى عادت لي حريتي، وعادت الكرامة المسلوبة للمرحومين أخوالي. مع ذلك، فالعم كمال لم يكن من ذلك الصنف الذي يدع الهزيمة تكتسحه، لذلك سدد ضربته قبل أن يستلقي على منضدة صالة العمليات، فجندل عددًا من أهل أمي.

في الصباح، قبل أن يقدم الممرضون لأخذ العم كمال على نقالتهم البيضاء إلى صالة العمليات بنصف ساعة، ربما أكثر أو أقل، أفلح العم كمال في إتمام حكايته، وإن كانت كلماته الأخيرة قد لفظها في باب صالة العمليات، وسط نظرات الاستنكار التي رشقته بها كبيرة الممرضات المنتظرة عند ذلك الباب.

كانت البداية ثقيلة الوطء علينا، ليس هناك مجال للانكار.

-بعد ساعة ستسترد حريتك.. أعلم ذلك. ستتركني حالمًا أتخلص من المخدر. أعلم. سيأتي أولئك الغجر..

-غجر؟

-لا تقاطعني يا وغد الأوغاد، فلا يوجد متسع من الوقت للمقاطعة. نعم سيأتي أفراد عائلتي، أعني زوجتي وأولادي وزوجاتهم وبناتي وأزواجهن، وسيصحبون كلّ أحفادي الذين سيحيلون المستشفى إلى مايشابه سوق مزاد للملابس القديمة، أعلم ذلك. قبل أن يحدث كل هذا ينبغي أن تسمع الحكاية الأخيرة أو الأحداث التي بوسعي أن أقصها، تلك الأحداث التي قام بها أخوالك وأبناؤهم. لا تتذمر ولا تلو أنفك. تذكر أننا لا نمتلك متسعًا من الوقت، فبعد قليل سيأخذونني إلى تلك الصالة المخيفة.

أذكر أنه توقف ليقول:

-لدي الكثير، الكثير جدًا لأتحدث به عما فعله أخوالك، قطاع الطرق أولئك، لكن انظر هاهي صالة العمليات تقف في الطريق. يبدو أن الحظ يخدم أهل أمك في كل وقت.

كما لم ينس العم كمال أن يندد بي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت