فهرس الكتاب
-ولأن نصف دمائك يعود إليهم فإنك لا تعدو سوى نصف قاطع طريق يا وغد الأوغاد. اللهفة تهزك هزًا للجلوس إلى منضدة وتكتب كل ما حكيته لك، ولن يخامرني شك في براعتك بحشر مالا يعلمه إلا الله من حيوانات وجن وشياطين بين طيات حكاياتي.
لن تفعل ذلك هذه المرة، لكن من يصدق أنك لن تفعل.
يبدو أن العم كمال تذكر ضيق الوقت فتوقف عن التنديد:
-ماذا تفعل حين يطلب منك شخص محترم، محترم جدًا أن تبيعه نغلًا؟
تهيأت للفرار.. هذا كثير على أخوالي. لكن ماالذي منعني من الهرب؟. بالتأكيد ليست نظرات عمي الغاضبة، ولا كلماته الزاجرة الحاسمة، فالعم كمال في ذلك الوقت، لم يكن ينظر إلي، ولم يحدثني. بدا أن نظراته، في تلك اللحظات، كانت عائمة في ضوء النهار الذي لم يتألق
بعد خارج النافذة.
-ذلك النغل كاد أن يجر الدمار إلى حيث يسكن أخوالك. وبسبب من؟. التوأمين سعد وسعيد، وذلك المجنون رحيم ابن خالك حاتم.
من بمكنته الفرار والحديث يدور عما فعله سعد وسعيد؟. مع ذلك. فوبال سيقع على أهل أمي جميعهم، وبال سينزله العم كمال بمهارة بسبب هذين التوأمين المشاكسين المرحين.
-دلني على رجل واحد يستطيع أن يصف ذلك المجنون رحيم أفضل مما وصفه المرحوم جدك؟. ليس في نيتي أن أسرد ماقام به من أعمال، ولست قادرًا على معرفة عدد العصي التي حطمها جدك على جسد هذا الولد المجنون، الشيء الوحيد المؤكد أن جنون رحيم ازداد مع الأيام. ذلك الأمر جعل جدك يهدر بصوته الحانق:
-كيف تجرأ حاتم وجاءني بهذا الحفيد؟.. مجنون؟.. ألا يكفيني هؤلاء الحمير الذين يحيطون بي، والذين أتعثر بهم أينما اتجهت؟ من أين جاء سليل الحمير هذا بعقل ووضعه برأسه، ثم جعل الجنون يتسلل إليه ليفسده؟.. رضيت أن يكون أولادي أكبر قطيع من الحمير، لكن أن يكون أحفادي من المجانين، لابد أنني ارتكبت عددًا من المعاصي ليفعل الله بي ذلك.
خاطبني العم كمال مؤنبًا:
-لا تلو أنفك.. ماقلته هو كلام جدك. وجدك كان من حكماء المدينة القلائل، وما كان كلامه هذا بعيدًا عن الصواب، فرحيم سبب المتاعب لأخوالك ولجدك ما يعجز عنه جيش من الأشرار وجيش وآخر من المجانين. ثم يأتي سعد وسعيد ليقلبا عالم هذا المجنون، فتتحول عيناه إلى شاقوليتين ويهجم مقررًا تمزيق درويش باشا.
-من يكون هذا؟