فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 58

-رجل تقي ورع يحترمه ويجله أهل المدينة. لم يكن أصلًا من المدينة، إنما جاء إليها متأخرًا في سنه، رجلًا ثريًا، سكن في بيت كبير مقابل قصر المتصرف وخلف سراي الحكومة. ادخل وكالات السجائر في سوق المدنية، وباع للجميع بتجارة الجملة، وكان متزنًا ومدينًا. لم يعرف أحد عنه سوى اسمه درويش باشا، ولم ير أحد لا من النساء ولا من الرجال زوجته، لكنهم متأكدون أنها تسكن معه في ذلك البيت الكبير. كما أن أحدًا -حتى أقرب جيرانه- لم يعرف إن كان لديه أولاد أم لا، وما كان هو يتحدث عن ذلك أبدًا ثم إنه هو نفسه درويش باشا كان يتحرك في نطاق عالم محدود، يبدأ من بيته وينتهي عند حانوته في السوق الكبير، ويكر راجعًا من حانوته في السوق الكبير إلى بيته خلف سراي الحكومة. إن ذلك العالم لا يتجاوز طوله- إذا حسبناه بالأمتار- ثلاثمائة متر ذهابًا وإيابًا. بدا هذا الباشا، في وقت من الأوقات، سرًا لا يمكن النفاذ إليه، أو في الأقل، إلى أحد جوانبه، فقد تراوحت ظنون الناس أنه تركي بسبب لغته العربية المحطمة والتي تثير الضحك في بعض الأحيان. بعد ذلك ظنوا أنه كردي وليس تركيًا، وعادوا إلى الظن أنه تركي وليس كرديا ً. ثم هجروا تلك الظنون غير المستقرة. المهم، بجلوا هذا الباشا لاستقامة خلقه وصدقه وطيبته وطويته الحسنة، غير أن كل هذه لم تدرأ عنه المصيبة، عندما وضعه الحظ العاثر بين التوأمين المشاكسين من جهة ورحيم المجنون من جهة أخرى.

طافت ابتسامة في وجه العم كمال:

-لم تولد بعد حين بلغ رحيم ابن خالك حاتم مبلغ الرجال، شأنه شأن التوأمين، ما كان يكبرهما كثيرًا، ربما سنتين أو ثلاث. الغرابة أنه لم يقع مرة ضحية دعابتهما ومكائدهما، ليس لأنهما يخافانه، فهما لا يخافان إلا من شخص واحد من المدينة، أنه الجد؟. لم يصبح ضحيتهما لأنه لم يصدف يومًا، طوال حياته، إن وقع في طريقهما.

هو أيضًا لم يكن يخافهما، لذات السبب، أعني لم يذق مرة عبء أو مرارة الدعابات التي اشتهرا بها. ظل سعد وسعيد جرمًا مرحًا ساخرًا مداعبًا الآخرين بقسوة، فيما ظل رحيم جرمًا خطرًا بجنونه، لكن سابحًا بعيدًا عن جرم سعد وسعيد. هذا الأمر جعل أخوالك قطاع الطرق يشعرون بسعادة بالغة، إلا الجد الذي اعتبر الأمر يسير ضد قانون.. ما هو؟... لا يعرفه، لكنه قانون، وهذا وحد يكفي. حين كان أخوالك يعترضون، يهدر الجد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت