فهرس الكتاب
-أية مهنة هي مهنة التوأمين؟. لا أحد يعرف ذلك حتى التوأمين، غير أن يقينًا راسخًا يحمله الجميع،أن التوأمين يستطيعان قيادة طيارة، وقيادتها بمهارة لو أرادا ذلك. سعد وسعيد مارسًا كل عمل وجداه أمامهما، عملا في السوق وخارج السوق، وقيل أنهما أسهما في تعبيد شارع بغداد، واعتنيا بحديقة مديرية البلدية، وقادا سيارة إسعاف، وحكما لعبة كرة القدم بين فريقين أحدهما من العمارة والآخر من البصرة، ووقفا في ملابس الشرطة حارسين في باب مركز الشرطة السنية، وقادا مظاهرة في اليوم الثاني ضد الحكومة هاتفين بسقوط وزارة نوري السعيد، لقد قاما بأعمال كثيرة يتعذر تذكرها كلها، لكن مايذكر أنهما لم يفترقا لحظة، ولم يكفا عن دعاباتهما الساخرة من الآخرين. ثم جاء الوقت الذي كان جدك يتوقعه دائمًا، ذلك الوقت الذي استغل فيه درويش باشا التوأمين الهازئين المشاكسين، من يصدق ذلك؟.
-استغلهما؟
-ربما ليست هي الكلمة المناسبة، غير أن ماحدث يشير إلى ما يشابه ذلك، مع هذا الباشا فقد التوأمان نزعتهما الساخرة، تلك النزعة التي سببت المتاعب والآلام للكثيرين. ظهرا أمام درويش باشا اثنين من الملائكة، ذلك النوع من الملائكة البشرية الذي انقرض من على وجه الأرض منذ أزمنة بعيدة، بعيدة جدًا. من يصدق، أو من يجرؤ على تصديق مثل هذا الرأي في المدينة؟. درويش باشا هو الوحيد الذي لم يصدق ذلك فقط، بل لايمكن أن يقتنع بعكس ذلك، فالتوأمان أصلحا سخان حمام بيته حيث فشل في إصلاحه جميع اسطوات هذه المهنة. بنيا الجدار الجانبي لسطح بيته الأعلى بناء محكمًا بعد أن سقط ثلاث مرات أثر انتهاء البنائين من تشييده، حتى كاد أن يقرر الطلب منهما تهديم بيته وإعادة بنائه.. أعادا تنظيم حانوته ورتبا صناديق وكالات السجائر حسب الحروف الأبجدية، مما جعل دهشة درويش باشا من خلط عماله بين البلاط وتركيا تختفي، إذن، أين تلك الأحابيل والنكات السخيفة والمقالب المحرجة التي ينسبونها إليهما؟.. لابد أن هذين المسكينين سعد وسعيد ولدا والحظ ضدهما.
هذا مايردده درويش باشا أمام كل من يتحدث معه، ولولا أن درويش باشا رجل تقي ورع وصاحب ونفوذ لاعتقدوا أنه فقد عقله. لكن صوت جدك انطلق مثل بخار محبوس:
-مسكينان؟.. ملاكان بشريان؟.. سعد وسعيد؟
قيل أنه اختنق بصوته ذاك الذي يشابه البخار المحبوس، ثم طرح حكمته التي تنبأت بالمصيبة:
-أنا أشم رائحة صاعقة.