فهرس الكتاب
بهت رجال ونساء العائلة، فلم يسبق لأحد منهم أن شم مثل هذه الرائحة. أكد الجد مكررًا:
-أنا أشم رائحة صاعقة قادمة إلينا. من أين؟. لا أعرف، لكنها على وشك القدوم. سعد وسعيد وهذا الباشا درويش قادرون على جلب مجموعة من الصواعق وليس صاعقة واحدة.
لم يخامر الشك أحد من أخوالك بعدم قدوم تلك الصاعقة، غير أن أحدًا منهم لم يتخيل أو يتوقع، في أية حال من الأحوال، أن تلك الصاعقة ستجرف في طريقها المجنون رحيم. ما كان بمقدورهم عمل شيء سوى انتظار الكارثة، لكي يسرعوا إلى معالجة الأضرار، وطال الانتظار أكثر مما توقعوه، عندئذ نسوا الصاعقة التي لم يتسن لهم شم رائحتها. ثم جاءت الصاعقة التي تنبأ بها جدك، بسرعة تحكم بها التوأمان سعد وسعيد، كان ذلك حين طلب منهما درويش باشا تعليق مروحة كهربائية سقفية في غرفة استقبال بيته. علقا المروحة بمهارة لا يرقى إليها الشك، على الرغم من أن جميع سكان المدينة بوسعهم القسم على أن التوأمين لم يقربا حتى من سلك كهرباء طوال حياتيهما. مع تدويم أذرع المروحة السقفية تحركت الصاعقة من مكانها...
-هل سقطت من السقف؟
-هل تذكر السؤال الذي طرحه في البداية؟
-أي سؤال؟
-ماذا تفعل حين يطلب منك شخص محترم جدًا أن تبيعه نغلًا؟. تذكرته الآن؟. هذا ما طلبه الرجل المحترم جدًا... أعني درويش باشا من سعد وسعيد. لابد أن التوأمين المشهورين بهزلهما تبادلا نظرات خبيثة، ربما تغامزا في تلك اللحظة إذ عرفا سر الباشا، السر الكبير، لابد أنهما أيقنا أن صديقهما التاجر رجل بلا ذرية.
فماذا فعلا؟. لايمكن الإنكار أنهما فوجئا أيضًا. فيما بعد قالا وهما يرتجفان أمام الجد. لم يبغيا المزاح، بل أرادا أن يتخلصا من الورطة التي وضعها أمامهما درويش باشا، من أين يعثرا على نغل ليبيعاه له؟. أن أحدًا لن يبيع نغلًا من السوق، لذلك لم يجدا سوى المنفذ: إنه يباع بنصف دينار يا باشا، ولن يتنازلوا عن هذا المبلغ حتى ولا بفلس واحد، فبائعو هذه الحاجات أصبحوا اليوم، بعد أن أعرض الكثير من الشباب عن الزواج، متزمتين جدًا، وخاصة في الأسعار. أسرع درويش باشا إلى فتح محفظته، بعد أن ألح عليهما بالكتمان. كما تشاء يا باشا، ثم إنها تجارة يعاقب عليها القانون.
راق مزاج العم كمال والتمعت عيناه، قال ضاحكًا: