الصفحة 103 من 169

وإنما كان هذا القائل الأقرب لقوله تعالى: {تُكَلِّمُهُمْ} ، وعلى هذا فلا يكون في هذه الدابة آية خاصة خارقة للعادة، ولا تكون من العشر آيات المذكورة في الحديث؛ لأن وجود المناظرين والمحتجين على أهل البدع كثير، فلا آية خاصة بها، فلا ينبغي أن تذكر مع العشر، وترتفع خصوصية وجودها إذا وقع القول، ثم فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم الذي على أهل الأرض أن يسموه باسم الإنسان أو بالعالم أو بالإمام إلى أن يسمى بدابة، وهذا خروج عن عادة الفصحاء، وعن تعظيم العلماء، وليس ذلك دأب العقلاء، فالأولى ما قاله أهل التفسير، والله أعلم بحقائق الأمور" [1] "

القول الخامس: أنها الجساسة:-

وهي المذكورة في حديث تميم الداري رضي الله عنه والذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (راجع مبحث خروج المسيح الدجال من هذا الكتاب) .

* واستندوا في ذلك على ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: '' الدَّابَّة الهَلْباء التي كلَّمَتْ تَميمًا الدَّاري هي دَابّة الأَرض التي تُكلِّم النَّاس '' [2] .

القول السادس: أنّ الدابة، اسم جنس لكل ما يدب وليست حيوانا مشخصا معينا يحوي العجائب والغرائب:

"ولعل المقصود من هذا ما ذهب إليه بعض المتأخرين من أن الدابة نوع من الحشرات الموجودة الآن، وأنها ستكثر لأي سبب من الأسباب، فيكون هجومها على الناس على ضعفها وصغر حجمها وتحميلهم الأذى الكبير وعجزهم عن مقاومتها مع ما أوتوه من بسطة العلم والحيلة، آية من آيات الله، وبعضهم قال إنها الجراثيم الخطيرة التي تفتك بالإنسان، وهذه لا شك أنها تأويلات فاسدة وباطلة؛ لأنها تكذيب للنبي صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به عن هذه الدابة" [3]

و هذا القول الأخير أقرب إلى رأي (شيخ حسن) ؛ فالمتأخرون جعلوها من الحشرات، و (شيخ حسن) جعلها من البشر.

وممن بينوا بطلان هذا الرأي الشيخ المحدث أحمد محمد شاكر رحمه الله في تحقيقه لمسند أحمد إذ قال:

"والآية صريحة بالقول العربي أنها (دابة) ، ومعنى الدابة في لغة العرب معروف واضح، لا يحتاج إلى تأويل، وقد بين الحديث بعض فعلها، ووردت أحاديث كثيرة في الصحاح وغيرها بخروج هذه الدابة الآية، وأنها تخرج آخر الزمان، ووردت آثار أخر"

(1) القرطبي، المرجع السابق [13/ 236] .

(2) ذكره عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري أبو محمد في"غريب الحديث [2/ 604] "مطبعة العاني - بغداد، ط1، 1397، والخطابي؛ حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي أبو سليمان- بصيغة التمريض إشارة إلى ضعفه- في"غريب الحديث [1/ 153] "، جامعة أم القرى - مكة المكرمة، 1402، والنووي في شرحه على مسلم.

(3) الغفيلي، مرجع سابق ذكره، ص 208.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت