الصفحة 148 من 169

4/ الغزالي:"الارتداد عن الإسلام يسلخ المرتد عن المجتمع، ويسلبه حق الحياة!!، وهذا الحكم شغب عليه بعض الناس، ورأوه مصادرة لحرية الرأي، ولحق كل امرئ أن يؤمن إذا شاء و أن يكفر إذا شاء. و نحن نحترم حق أي إنسان أن يؤمن و أن يكفر، ولكن هذا الحق يتقرر لصاحبه و هو فرد لم تتضح له الأمور، إن له أن يدرس ويوازن ويرجح، وأن يبقى على ذلك طول عمره. فإذا آثر الوثنية أو اليهودية أو النصرانية لم يعترضه أحد، وبقي له حقه كاملًا في حياة آمنة هادئة؛ و إذا آثر الإسلام فعليه أن يخلص له، يتجاوب معه في أمره ونهيه، وسائر هديه، وهنا نتساءل: هل من حرية الرأي عند اعتناق الإسلام أن نكسر قيوده ونهدم حدوده؟، أو بتعبير آخر: هل حرية الرأي تعطي صاحبها في أي مجتمع إنساني حق الخروج على هذا المجتمع، ونبذ قواعده، و مشاقة أبنائه؟، هل خيانة الوطن، أو التجسس لحساب أعدائه من الحرية؟، هل إشاعة الفوضى في جنباته، والهزء بشعائره و مقدساته من الحرية؟"

إن قضية الارتداد تحتاج إلى إيضاح لتعرف أبعادها، فالإسلام معروض للأغمار والعباقرة على أنه عقيدة وشريعة، وكتابه ونهج نبيه صلى الله عليه وسلم يقرران مثلًا أن الله واحد، و أن الآخرة حق، و أن القصاص حق، و أن الصيام حق؛ و معنى ذلك أن الذي يدخل في الإسلام يرتضي كل هذه التعاليم وينفذها؛ فإذا جاء من قال: أؤمن بالله وأرفض الإيمان بالآخرة، أو أؤمن بهما وأرفض شريعة الصيام، وشريعة القصاص، و ما أشبه ذلك .. فهل يترك هذا الشخص ليعبث بدين الله على هذا النحو؟ كلا، أما أن يثوب إلى رشده ويرجع إلى الجماعة أو لا فالخلاص منه حتم، ولا تُتّهم جماعة تؤمّن وجودها وتصون حقيقتها وتذود العبث عن كيانها.

لو أن إنسانًا ثارت في صدره شبهة لوجب على الراسخين في العلم أن يزيلوها، ولو بقي في نفسه هذه الشبهة فاعتزل بها ما أحس أحد خطره ولا خطورتها، أما أن تنبت في رأس أحد فكرة أن الرجل مثلًا لا يجوز أن يرأس البيت، ولا أن يضاعف له الميراث، أو تنبت في رأسه فكرة أن نظام الربا يجب أن يسود ويمتد، ويوجه الاقتصاد كله، ثم يتحول هذا الشخص إلى داعية لفكرته ويحاول تنفيذها بشتى الطرق فذاك ما لا يمكن قبوله باسم الإسلام.

و إقناع الإسلام بقبول هذا الوضع سفه ٌ، ومطالبته بتوفير حق الحياة والحركة لمن يريد نقض بنائه وتنكيس لوائه أمر عجيب، لا يوجد في الدنيا مجتمع ينتحر بهذه الطريقة السقيمة، ولذلك لا نرى أي غرابة في أن يستتاب المرتد فإذا لم يتب قُتِل.

و القرآن الكريم لم يذكر حد الارتداد صراحة .. ولكن جاء في السنة (من بدل دينه فاقتلوه) ، و (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان، وقتل النفس التي حرم الله بغير حق، والتارك لدينه المفارق للجماعة) [1] ، و كشف القرآن الكريم أن اليهود جعلوا من حرية الارتداد وسيلة للطعن في الإسلام، أعلنوا عن دخولهم فيه حتى ينفوا عن أنفسهم تهمة التعصب، ثم قرروا الارتداد السريع كأنهم اكتشفوا فيه ما ينفر من البقاء عليه، و الأمر كله لعب بالدين و استهانة بحقه. و ما يقبل ذلك مبدأ محترم يشق لنفسه طريقًا في الحياة.

(1) تقدم تخريجهما باللفظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت