الجوّ في أرواحهم، وأيّ ينبوع يتفجّر في كيانهم بالرضى والحماسة والثقة والاعتزاز.
ثمّ كانت روحه صلى الله عليه وسلم تستشرف النصر من بعيد، وتراه رأي العين في ومضات الصخور على ضرب المعاول، فيحدّث بها المسلمين، ويبثّ فيهم الثقة واليقين.
أمّا أخبار شجاعته صلى الله عليه وسلم في الهول، وثباته ويقينه، فهي بارزة في القصّة كلّها.
وحول الآية (وإنك لعلى خلق عظيم) ، يقول سيّد:
ثمّ تجيء الشهادة الكبرى والتكريم العظيم:
(وإنك لعلى خلق عظيم) ... ويعجز كلّ قلم، ويعجز كلّ تصوّر، عن وصف قيمة هذه الكلمة العظيمة من ربّ الوجود، وهي شهادة من الله، في ميزان الله، لعبد الله ...
ويتابع: وكان واقع سيرته أعظم شهادة من كلّ ما روي عنه. ولكنّ هذه الكلمة أعظم بدلالتها من كلّ شيءٍ آخر. أعظم بصدورها عن العليّ الكبير. وأعظم بتلقّي محمد صلى الله عليه وسلم لها وهو يعلم من هو العليّ الكبير، وبقائه بعدها ثابتا راسخا مطمئنّا. لا يتكبّر على العباد، ولا ينتفخ، ولا يتعاظم، وهو الذي سمع ما سمع من العليّ الكبير! ... والله أعلم حيث يجعل رسالته. وما كان إلاّ محمد صلى الله عليه وسلم ـ بعظمة نفسه هذه ـ من يحمل هذه الرسالة الأخيرة بكلّ عظمتها الكونيّة الكبرى. فيكون كفئا لها، كما يكون صورة حيّة منها.
ويتابع سيّد قوله: إنّه محمد صلى الله عليه وسلم ـ وحده ـ هو الذي يرقى إلى هذا الأفق من العظمة ... إنّه محمد صلى الله عليه وسلم ـ وحده ـ هو الذي يبلغ قمّة الكمال الإنسانيّ المجانس لنفحة الله في الكيان الإنسانيّ ... إنّه محمد صلى الله عليه وسلم ـ وحده ـ هو الذي يكافىء هذه الرسالة الكونيّة العالميّة الإنسانيّة، حتى لتتمثّل في شخصه حيّة، تمشي على الأرض في إهاب إنسان ... إنّه محمد صلى الله عليه وسلم ـ وحده ـ الذي عَلِمَ اللهُ منه أنّه أهل لهذا المقام. والله أعلم حيث يجعل رسالته ـ وأعلن في هذه أنّه على خُلُقٍ عظيم. وأعلن في الأخرى أنّه ـ جلّ شأنه وتقدّست ذاته وصفاته ـ يُصلّي عليه هو وملائكته (إنّ الله وملائكته يُصَلّون على النبيّ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) .