فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 734

وقال الغزالي:"وأما الغريب الذي لم يظهر تأثيره ولا ملاءمته لجنس تصرفات الشارع فمثاله: قولنا: إن الخمر إنما حرمت لكونها مسكرة ففي معناه كل مسكر، ولم يظهر أثر السكر في موضع آخر لكنه مناسب. وهذا مثال الغريب لو لم يُقدَّر التنبيه بقوله: { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ } [1] . ومثاله أيضًا قولنا: أن المطلقة ثلاثًا في مرض الموت ترث لأن الزوج قصد الفرار من ميراثها فيعارض بنقيض قصده قياسًا على القاتل فإنه لا يرث لأنه يستعجل الميراث فعورض بنقيض قصده. فإن تعليل حرمان القاتل تعليل بمناسب لا يلائم جنس تصرفات الشرع لأنا لا نرى الشرع في موضع ٍ آخر التفت إلى جنسه فتبقى مناسبته مجردة غريبة. ولو علل الحرمان بكونه متعديًا بالقتل وجعل هذا جزاءً على العدوان كان تعليلًا بمناسب ملائم ليس بمؤثر لأن الجناية بعينها وإن ظهر تأثيرها في العقوبات فلم يظهر تأثيرها في الحرمان من الميراث" [2] .

والجدير بالذكر هنا أن واقع المناسب الغريب وأمثلته عند الذين يقولون به كالآمدي والغزالي كما تبين، هو نفس واقع وأمثلة المناسب المرسل عند الذين يقولون به كما سيتبين. وقد ذكر الآمدي كمثال على المناسب الغريب:"اعتبار جنس المشقة المشتركة بين الحائض والمسافر في جنس التخفيف، فإن عين مشقة الحائض ليست عين مشقة المسافر بل من جنسها، وعين التخفيف عن المسافر بإسقاط الركعتين ليس عين التخفيف عن الحائض بإسقاط الصلاة بل من جنسها" [3] .

(1) سورة المائدة، 91.

(2) الغزالي، المستصفى. 2/298. وهذا النص مفيد - إذا دقِّقَ فيه - للتفريق بين كل من المؤثر والملائم والغريب.

(3) الآمدي، الإحكام. 3/247 - 248.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت