فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 734

بنتيجة هذا الجدال خرج الجويني بفكرة مقاصد الشريعة التي تشكل ضوابط الوصف المناسب، فالقول بمقصد أو مقاصد للشريعة والحاق الوصف أو المعنى المناسب بهذا المقصد يقوِّي التعليل بالوصف، إذ يحصل بذلك جريان الوصف المناسب بحسب مقاصد الشريعة، أو كما عبَّر عنها - فيما بعد - تلميذه الغزالي ان تكون المصلحة على منهاج المصالح المعتبرة وهي الكليات الخمس.

إلا أن هذه الفكرة لم تؤثر - سلبًا ولا إيجابًا - على أصول من يردُّ هذا المسلك وَهُمُ السادة الأحناف، ولذلك نجدهم يذكرونها بقولهم: وقالوا.

وقد استدعت فكرة مقاصد الشريعة والتعليل بالمناسب بحثًا آخر. وهو أن الأصل في الأحكام الشرعية التعليل. ولذلك فما لا تثبت علته بالمسالك المتفق عليها عند أكثر القائسين كالنص والإجماع والإيماء والتنبيه، فلا بد من إثبات علةٍ له إن أمكن، فإذا احتمل الحكم التعليل وجب تعليله.

وقد أسهب في بيان هذا الأصل، والخلاف فيه، وفي بيان أدلة كل فريق، الآمدي في الإحكام، والرازي في المحصول، حيث أثبت الآمدي أصل التعليل، وقطع الرازي ببطلانه مع أنه يقول بالقياس وبالعلة ويقول بمسلك المناسبة. وتحقيق الأمر - كما سيتبين - هو أن المقطوع ببطلانه عند الرازي هو التعليل فيما يتعلق بذات الله وقد أشرت إلى معنى العلة عنده في الفصل السابق [1] .

ثم جاء الشاطبي بموافقاته، فأشار في كتاب المقاصد - من كتابه الموافقات - إلى موقف الرازي ورده، وأثبت التعليل لأفعال الله وأحكامه - سبحانه وتعالى - وأنَّ ذلك على سبيل القطع، فقال:"أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراءً لا ينازع فيه الرازي ولا غيره... وإذا دل الاستقراء على هذا وكان في مثل هذه القضية مفيدًا للعلم فنحن نقطع بأن الامر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة" [2] .

(1) أنظر ص: 51.

(2) الشاطبي، الموافقات. 2/2 - 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت