فهرس الكتاب
ولما كان هذا الوصف المناسب وصفًا متخيلًا ولا دليل من الشرع على كونه علة، ردَّ الذين لا يأخذون بمسلك المناسبة التعليلَ بالمناسب جملة، ورد المعللون بالمناسب أو أكثرهم التعليل بالمرسل وبالغريب، وقالوا بالملائم: وهو الذي شهدت له أحكام كثيرة، وعلى الأقل حكمان. ومن وجود شواهد للوصف وكثرتها قالوا إن قوة الوصف المناسب آتية من جهة أن أحكام الشريعة جرت على وفقه، أو شهدت له، أو أن هذا الوصف أو المعنى يجري على منهاج المصالح الشرعية. وبهذا نشأت مسألة جديدة، وهي أن اعتبار هذا الوصف في التعليل لا يرجع إلى أصل معين، وبالتالي فهو ليس من القياس لأن وجود الأصل ركن في القياس، والأصل مفقود ههنا، ومن هنا تأتي تعابير المصلحة المرسلة والاستدلال المرسل، وهو المعنى الذي لم يشهد له أصل معين ولكن معناه جارٍ في أصول الشريعة [1] .
ومما يشير إلى هذا الأمر ما ذكره الجويني في أنواع القياس حيث قال:"النظر الشرعي، ومجامعه [2] :"
(1) من ذلك مثلًا قول الشاطبي:"كل أصل شرعي لم يشهد له نص معين وكان ملائمًا لتصرفات الشرع ومأخوذًا معناه من أدلته فهو صحيح يبنى عليه ويرجع إليه إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعًا به"ثم قوله:"ويدخل تحت هذا ضرب الاستدلال المرسل الذي اعتمده مالك والشافعي فإنه وإن لم يشهد للفرع أصل معين فقد شهد له أصل كلي"الموافقات 1/16. أما قوله بأن الشاهد هو أصل كلي مقطوع به فهو إشارة بأنه لا يكتفي بمجرد كثرة الشواهد وإنما يشترط الكثرة المفيدة للقطع.
(2) الأرقام: 1، 2، 3، 4، من الباحث، ويشير ذلك إلى أن القياس بهذا التقسيم أربعة أقسام.