فهرس الكتاب
ويقول:"ولقد زلَّ بسبب الإعراض عن الدليل، والاعتماد على الرجال أقوام خرجوا بسبب ذلك عن جادة الصحابة والتابعين، واتبعوا أهواءهم بغير علم فضلوا عن سواء السبيل" [1] . وذكر لهذا أمثلة منها:"رأي المقلدة لمذهب إمام يزعمون أن إمامهم هو الشريعة بحيث يأنفون أن تنسب إلى أحد من العلماء فضيلة دون إمامهم حتى إذا جاءهم من بلغ درجة الاجتهاد وتكلم في المسائل ولم يرتبط إلى إمامهم رموه بالنكير وفوقوا إليه سهام النقد وعدوه من الخارجين على الجادة [2] ، والمفارقين للجماعة من غير استدلال منهم بدليل، بل بمجرد الاعتياد العامي. وقد لقي الإمام بقيٌّ بن مخلد حين دخل الأندلس آتيًا من المشرق من هذا الصنف الأمرين حتى أصاروه مهجور الفناء مهتضم الجانب... ومنها رأي نابتةٍ في هذه الأزمنة أعرضوا عن النظر في العلم الذي هم أرادوا الكلام فيه والعمل بحسبه، ثم رجعوا إلى تقليد بعض الشيوخ الذين أخذوا عنهم في زمان الصبا الذي هو مظنة لعدم التثبت من الآخذ أو التغافل من المأخوذ منه، ثم جعلوا أولئك الشيوخ في أعلى درجات الكمال ونسبوا إليهم ما نسبوا به من الخطأ، أو فهموا عنهم على غير تثبت ولا سؤال على تحقيق المسألة المروية، وردوا جميع ما نقل من الأولين مما هو الحق والصواب... فتأملوا يا أولي الألباب كيف حال الاعتقاد في الفتوى على الرجل من غير تحرٍّ للدليل الشرعي، بل لمجرد الغرض العاجل عافانا الله من ذلك بفضله" [3] .
(1) المصدر نفسه، 1/537.
(2) الجادَّة: معظم الطريق. أنظر: الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ص: 347.
(3) الشاطبي، الاعتصام، 2/538 ـ 542.