فهرس الكتاب
ولم تكن طريقة المتأخرين - فيما أرى - إلا تأثرًا من أتباع طريقة الفقهاء بطريقة المتكلمين، من خلال اعتماد قواعد المنطق وعلم الكلام في المباحث الأصولية. فلم تكن طريقة ثالثة بقدر ما كانت انجرارًا إلى الوسائل المنطقية والكلامية في المجادلات والردود، وبقدر ما كانت محاولات للإحاطة بمختلف الأقوال المتفقة والمتقاربة والمتعارضة في كتب جامعة، في عصور لم يعرف علم أصول الفقه فيها إبداعًا إلا في الجمع والشرح والاختصار والتحشية والترتيب والتبويب، وظل الحال فيها جامدًا إلى أن جاء الشاطبي ونظر في هذا الإرث الكبير وقام بمحاولته الإصلاحية التوفيقية بين الطريقتين، طريقة الفقهاء وطريقة المتكلمين.
وأكثر ما يظهر فيه هذا الاختلاف بين الطريقتين في مباحثِ أصول الفقه، هو مباحثُ القياس والتعليل ومسالك العلة.
وسيتجلى هذا الاختلاف بوضوح في الفصلين الأول والثاني من هذا الكتاب. كما سيظهر كيف انبثقت - نتيجة هذا الاختلاف - فكرة مقاصد الشريعة على يد الإمام الجويني - رحمه الله - ثم صارت بعد ذلك جزءًا من مباحث علم أصول الفقه.
و تقوم فكرة مقاصد الشريعة على أن الشريعة إنما وضعت لأجل مصالح العباد في الدارين، الدنيا والآخرة. ومصالح الآخرة هي نوال رضا الرحمن والفوز بالنعيم والجنان والنجاة من العذاب والنيران.
أما مصالح الدنيا فهي ما يسعى الإنسان لتحصيله أو المحافظة عليه أو لدرئه واتقائه لأجل عيشه وذلك بحسب ما خلق الله فيه وقدر من خصائص وحاجات.
وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن مصالح الدنيا ترجع إلى خمسة أمور هي بمثابة الأصول أو الضروريّات التي ترجع إليها كل المصالح وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وأحكام الشريعة تؤدي إلى حفظ هذه المصالح.