فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 734

ولما كانت هذه المصالح نتائج للشريعة أو مقصودة بها، فقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذه المصالح هي علل للشريعة. وذهب غيرهم إلى أنها مقاصد وليست عللًا. وكان لهذا الاختلاف أثره في الأبحاث الأصولية عند أئمة أصول الفقه، كما كان له أثره في فكرة مقاصد الشريعة عند الإمام أبي أسحق الشاطبي.

لقد ذهب الشاطبي - رحمه الله - إلى أن مقاصد الشريعة هي عللها، إلا أن ثبوت كون المقصد مقصدًا شرعيًا يحتاج إلى دليل شرعي. وقد كان للشاطبي منهج في هذا الأمر تميز به عن سابقيه، سعى من خلاله إلى التوفيق بين المختلفين، ومن هنا جاء اسم كتابه: الموافقات.

ولأجل الوقوف على حقيقة هذا الاختلاف في مسألة التعليل بالمصلحة، وعلى الاختلاف في كيف تُعدُّ المصلحة مصلحةً شرعية، أو المقصد مقصدًا شرعيًا وبالتالي كيف يُعَدُّ الوصف أو المعنى علة، لأجل ذلك لزم بيان معنى العلة في الشرع وكيف تثبت، وشروطها ومسالكها.

وتعليل الحكم الشرعي بمصلحة يرى المجتهد أنها مقصودة بالحكم هو تعليل بمعنىً أو وصف يراه مناسبًا أو صالحًا ليكون مقصودًا للشارع. ومن هنا برز الاختلاف بين الأئمة في مسألة التعليل بالوصف المناسب. فهل كون الوصف مناسبًا دليل على كونه علة، أي هل المناسبة مسلك من مسالك العلة؟ والجواب على هذا السؤال هو أصل اختلاف الآراء بين الأئمة.

لذلك لزم أيضًا معرفة معنى المناسبة، وهل هي دليل على العلة؟ أو هي شرط لها؟ أو لا هذا ولا ذاك؟ وما الفرق بين الأمرين؟

وكون الوصف مناسبًا ليكون علة للحكم أو مقصدًا قصده الشارع به يختلف باختلاف النظار والمجتهدين. فما يدعيه مجتهدٌ أنه مناسب قد يعارضه آخر فيقول إنه ليس مناسبًا. وهذا بناءً على اختلاف أفهام الناس ومداركهم وعقولهم. لذلك كان لا بد من ضابط شرعي للدلالة على كون الوصف مناسبًا أو غير مناسب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت