فهرس الكتاب
وادعاء مناسبة الوصف بدون دليل شرعي على مناسبته هو مجرد تَخَيُّل. لذلك أُطلق على المناسبة اسم الإخالة. وقال عنه البعض إنه خيال باطن، أي إنه شعور داخلي خاص بالشخص وهذا ليس دليلًا شرعيًا. وسيتبين هذا في موضعه لاحقًا.
وإذا ثبت بَعْدَ النظر الشرعي أن الوصف المناسب عقلًا أو خيالًا وصفٌ مردود شرعًا فحينئذٍ يسقط ويُسمّى مُلغىً. وإذا ثبت أنه مقبول شرعًا، حينئذٍ يُسمّى معتبرًا، أي يثبت أنه معتبر شرعًا.
إلا أن كيفية ثبوت الاعتبار للوصف أو المعنى ليكون مناسبًا معتبرًا ولكي يصلح للتعليل، وبتعبير آخر ليكون مصلحةً معتبرة شرعًا لتعليل الحكم بها، هذه الكيفية ظلت موضع تنازع بين العلماء. والاختلاف في المناسبة كمسلك للتعليل هو في حقيقته اختلاف في كيفية اعتبار الوصف. فإن كان معنى الاعتبار هو أن يدل الدليل الشرعي على أمر ما فيكون شرعيًا بناء على ذلك فهذا لا خلاف فيه. أما الاعتبار المختلف فيه والذي هو لب الاختلاف فهو بمعنى أن يأتي الحكم موافقًا لمصلحة ما أو لوصفٍ مناسب فَيُدَّعَى علة. لذلك لزم لأجل فهم فكرة التعليل بالمصلحة وفكرة المقاصد عند الشاطبي بيان معنى الاعتبار أو معنى موافقة الحكم للوصف المناسب في المصطلح الأصولي. خاصة وأن الشاطبي جاء ليقف بين الفريقين، فيؤكد فكرة التعليل بالمناسب المعتبر بعد أن يضع له شروطًا قد تجعله مقبولًا لدى الرادين للتعليل به. وهذا ما سيتبيّن بالتفصيل عند الحديث عن منهجه.
إن الرادين للتعليل بالوصف المناسب يعتمدون على أن التعليل يحتاج إلى دليل، فالوصف لا يثبت علة إلا إذا جاء في أحد المسالك الشرعية للعلة، وهذا ليس موضع خلاف. ولكنهم يرون أن المناسبة ليست مسلكًا للعلة، أي ليست دليلًا عليها وإنما هي شرط لها. والوصف المناسب إن لم يدل دليل شرعي على اعتباره أو إلغائه فهو مرسل ولا حجة فيه.