فهرس الكتاب
أضف إلى ذلك مسألةً أخرى، وهي أن عَدَّ وصفٍ ما مصلحة وبالتالي مقصدًا شرعيًا وعلةً للتشريع إنما هو لأجل بناء التشريع على ذلك، والعلة هي أحد أركان القياس، والقياس له أركان أخرى منها الأصل، أي الحكم الشرعي المعلل. فوجود الحكم ووجود علته يؤدي إلى إعطاء الحكم نفسه لواقعة أخرى ليس فيها نص وذلك بناء على تلك العلة أو المصلحة. ولكن في مسألة التعليل بالمصلحة، قد يرى القائلون بالمصلحة مصالح أو مفاسد في وقائع معينة تحتاج إلى حكم، ولكن من غير أن يجدوا أصلًا أو حكمًا يقاس عليه. فإعطاء الحكم هنا بناء على المصلحة أو المفسدة الموجودة في الواقعة من غير وجدان أصل يقاس عليه، هل هو من قبيل القياس أو هو شيء آخر؟ إن وجود الأصل ركن من أركان القياس وعدم وجوده مبطل لعملية القياس. وهذه مسألة أخرى وقفت عائقًا أمام الذين يقولون بالتعليل بالمصالح. وهنا نشأ اختلاف بين المعللين بالمصالح فمنهم من سمى هذا الأمر قياسًا بناء على أن المصلحة المعينة إن لم يكن لها أصل يقاس عليه فهناك أصول لجنس المصلحة. ومنهم من لم يعدَّ هذا الأمر قياسًا وإنما سمَّوه: الاستدلال. وسيتبين هذا الأمر أيضًا بالتفصيل في موضعه.
والغالب عند الأصوليين أن هذا ليس قياسًا وإنما هو استدلال، وبوجه أخص هو استصلاح أو مصلحة مرسلة. ولفظ الاستدلال أعم من المصالح المرسلة إذ يطلق أيضًا على الاستحسان والاستصحاب وغيرهما مما ليس فيه دليل خاص أو مباشر على المسألة، وإنما يَعتمد على قاعدة ليست خاصة بالمسألة مثلما يعتمد المعللون بالمناسب على قاعدة الأصل في الأحكام التعليل، ومثلما يُعتمد أيضًا في بعض المسائل الفقهية على قاعدة الاستصحاب.