فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 734

وأما القول الثاني: وهو أنها الموجب لذاتها على معنى أن الشارع جعلها موجبة لذاتها، فلا أراه يختلف عن معنى الباعث. فالقول إن الشارع جعلها موجبة يعني أنها جاءت في مسلك شرعي أو دل عليها دليل شرعي، والقول إنها الموجب لذاتها، يعني: أنها تشتمل على ما يجعلها صالحة للتعليل. وهومعنى الباعث نفسه كما عُرِّف. وحيثما ورد في كلام الأئمة أنها بهذا المعنى تكون أمارة، فالمقصود أنها أمارة باستعمال الكلاميين وليس الفقهاء، إذ المعلوم أن الأدلة الشرعية من نصوص القرآن والسنة هي عند الكلاميين والأصوليين أمارات على الأحكام، بينما هي عند الفقهاء أدلة عليها. وبهذا المعنى قول الآمدي:"العلة العقلية مقتضية للحكم بذاتها لا بوضع، بخلاف الشرعية فإنها بمعنى الأمارة والعلامة أو بمعنى الباعث" [1] . وقال الزركشي:"وهي تنقسم إلى عقلية: وهي لا تصير علة بجعل جاعل بل بنفسها وهي موجبة لا تتغير بالأزمان كحركة المتحرك، وشرعية: وهي التي صارت علة بجعل جاعل" [2] . ثم قال:"وإنما تسمى العلل الشرعية علةً مجازًا أو اتساعًا، وإلا ففي الحقيقة العلة ما أوجب الحكم بنفسه، وهي العلة العقلية، وأما التي توجبه بغيرها فليست بعلة في وضع المتكلمين وإنما هي أمارة على الحكم" [3] .

وأما القول الثالث: وهو أنها الموجبة للحكم بذاتها لا بجعل الله، فهو قول المعتزلة وهو جارٍ على مذهبهم في التحسين والتقبيح العقلي، وفي أن الله يجب عليه فعل الأصلح وتشريع الأصلح. قال الزركشي:"وتحجر المعتزلة ومن وافقهم من الفقهاء واسعًا فزعموا أن تصرفه تعالى مقيد بالحكمة مضيَّق بوجه المصلحة" [4] .

(1) الآمدي،الإحكام، 4/283 - 284.

(2) الزركشي، البحر المحيط 4/103.

(3) الموضع نفسه.

(4) المصدر نفسه، 4/112.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت