فهرس الكتاب
وأما القول الرابع: وهو أنها الموجبة بالعادة فهو قول الإمام فخر الدين الرازي في (المحصول) ومفاده أن أفعال الله تعالى وأحكامه لا تعلل وذلك بناء على مقدمات كلامية وبناء على أن التعليل يعني أن الله مُسْتَكْمَلٌ بالغرض، وهذا مردود قطعًا، وعلى ذلك فالعلة عنده لا تصح بمعنى الموجبة لذاتها ولا بمعنى الباعث. ومعنى الموجبة بالعادة هو أن الله أجرى الأشياء هكذا كلما حصل كذا حصل كذا، كأن نقول كلما حصل الأكل حصل الشبع، أو كلما حصل القصاص حصل الحفظ، فوجب الظن بحصول الشبع عند الأكل أو بحصول الحفظ عند القصاص. وهذا الظن ليس من باب التعليل وإنما من باب جريان العادة بذلك. وسيأتي موثقًا في المبحث الثالث من الفصل الثالث.
ويرد هذا الكلام لأن التعليل في القياس ليس بمعنى تعليل أفعال الله بما يتعلق بذاته وإنما هو تعليل للحكم الشرعي بما جعله الشارع علة، قال الزركشي:"واعلم أن مذهب أهل السنة أن أحكامه تعالى غير معللةٍ، بمعنى أنه لا يفعل شيئًا لغرض، ولا يبعثه شيء على فعل شيء، بل هو الله تعالى قادر على إيجاد المصلحة بدون أسبابها وإعدام المضار بدون دوافعها" [1] .
وقال أيضًا:"وقال بعض المتأخرين: اشتهر عند المتكلمين أن أحكام الله تعالى لا تعلل، واشتهر عند الفقهاء التعليل وأن العلة بمعنى الباعث، ويتوهم كثير من الناس أنها الباعث للشرع فيتناقض كلام الفقهاء وكلام المتكلمين وليس كذلك ولا تناقض بل المراد أن العلة باعثة على فعل المكلف. مثاله حفظ النفوس فإنه باعث على القصاص الذي هو فعل المكلف المحكوم به من جهة الشرع، فحكم الشرع لا علة له ولا باعث عليه" [2] ، ثم قال:"وأجرى الله العادة أن القصاص سبب للحفظ" [3] .
(1) الزركشي، البحر المحيط 4/112.
(2) المصدر نفسه، 4/113.
(3) الموضع نفسه.