فهرس الكتاب
فمناط الحكم بناء على ما سبق هو مُتعلَّق الحكم أي المحل أو الواقع الذي جاء له الحكم. مثلًا: البيع مباح والربا حرام. فكون الفعل بيعًا هو محل الإباحة أو مناط الإباحة في هذا الفعل، وكون الفعل ربًا هو محل التحريم أو مناطه. وكذلك الغنم حلال والخنزير حرام، فكون الشيء غنمًا هو مناط الإباحة وكونه خنزيرًا هو مناط التحريم.
والمناط في الأمثلة المذكورة أعلاه ليس هو العلة، والأحكام المذكورة غير معللة أصلًا.
وفي الأحكام المعللة، لمَّا كان الحكم مرتبطًا بعلته، أطلق لفظ المناط على العلة مجازًا مما قد يوهم بأن العلة هي المناط حقيقة، لذلك لزم هذا التنبيه. وقد اختلف الأصوليون في تعليل الأحكام، فذهب البعض إلى أن الأصل في الأحكام التعليل، وإلى أن التعليل جار في كل الأحكام، إلا أن بعض الأحكام يتوقف فيها عن التعليل بسبب العجز عند المجتهد عن إدراك العلة مثل أعداد الركعات وتقدير الأنصبة والفرائض والكفارات وغيرها. وذهب غيرهم إلى رد هذا التعليل، وقالوا إنه لا يعلل حكم إلا بأن تثبت علته بالأدلة الشرعية [1] .
والذين ذهبوا إلى أصل التعليل في الأحكام هم الذين استعملوا لفظ المناط بمعنى العلة، مثال ذلك النص المذكور عن الزركشي آنفًا. وبما أن كل الأحكام لها علل عند هذا الفريق صار مناط الحكم هو علة الحكم عندهم. أي أنه لا بد أن يبحث في مناط الحكم عن وصفٍ فيه مناسبٍ للتعليل، ليربط الحكم به. ويكون هذا الوصف هو علة الحكم ومناطًا له، ومن هنا نشأت عند هذا الفريق تعابير مثل تنقيح المناط وتخريج المناط إضافة إلى تعبير تحقيق المناط.
تحقيق المناط:
(1) هذا الخلاف والجدل فيه سنتعرض له لاحقًا بالتفصيل والتوثيق.