فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 734

ومن أمثلة هذا المسلك"أن يذكر الشارع مع الحكم وصفًا مناسبًا كقوله عليه السلام:"لا يقضي القاضي وهو غضبان" [1] . فإنه يشعر بكون الغضب علة مانعة من القضاء لما فيه من تشويش الفكر واضطراب الحال" [2] . فالقاضي عمله القضاء، وإنما كان جلوسه لأجل القضاء، فإذا منع من القضاء في حالة ما، دل ذلك على أن تلك الحالة هي علة المنع.

وهذا القسم يقابل القسم الثاني من قِسْمَي دلالة النص الصريح على التعليل، ولكن ذلك من المنطوق وهذا من المفهوم.

وهذه المسالك الثلاثة: الإجماع، والنص، والتنبيه والإيماء متفق عليها بين القائسين. أما ما سيلي من مسالك، فمختلف فيها، يأخذ بها ويدافع عنها أصحاب طريقة المتكلمين من الأصوليين، أي أئمة الشافعية على وجه الخصوص. ويردها أصحاب طريقة الفقهاء من الأصوليين أي الأحناف.

ويشير أئمة الشافعية إلى العلل التي تأتي بهذه المسالك الثلاثة باسم العلل المنصوصة، أما العلل التي تأتي بسائر المسالك التي ستلي فيشيرون إليها باسم العلل المستنبطة. أما الأئمة الأحناف فيقصدون بالعلل المستنبطة العلل التي تأتي بمسلك التنبيه والإيماء على وجه الخصوص، والمنصوصة عندهم هي التي تأتي بمسلكي الإجماع والنص.

المسلك الرابع: السبر والتقسيم. قال به بعض الأصوليين. وهو مبني على أن الأصل في الأحكام التعليل. ومعناه أن يستقصي الناظر كل الأوصاف التي يحتمل أن تكون علة للحكم ـ بناء على أنه لا بد للحكم من علة ـ وهذا هو السبر، ثم ينظر في هذه الأوصاف المحتملة واحدًا واحدًا ويثبت أنها ليست علة للحكم إلا واحدًا منها وهذا هو التقسيم. فيكون الوصف الذي بقي هو العلة.

(1) أخرجه البخاري، باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان (6625) ، ومسلم في باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان (3241) ، والترمذي (1254) وقال حسن صحيح، والنسائي (5326) .

(2) أنظر: الآمدي، الإحكام. 3/230.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت