فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 734

والناظر في هذه الأقوال يتبين له المراد بالإخالة وبالمناسبة. فالإخالة تعني إدعاء وصف ما علة. ولكن هذا - كما قال - دعوى لا بد من إثباتها، وطريق إثباتها ظهور مناسبة الوصف واندفاع المبطلات. فقوله:"الإخالات منقسمة"يعني أن الأوصاف التي يمكن أن تدَّعى كثيرة ومتعددة منها ما هو معتبر ومنها ما هو ملغى، فلا يصلح هذا وحده. وإن قيل إن هذا الوصف فيه مصلحة فهذا أيضًا لا يكفي. فقوله:"ووجوه الاستصلاح منتفية"وقوله:"ليس كل استصلاحٍ وجها مرتضى"يعني أن مجرد كون الوصف مصلحة أو مشتملًا على مصلحة لا يكفي لإثبات صلاحيته للتعليل. ومن هنا يفهم مراده بالمناسبة وهو أنَّ الوصف المخيل ـ وهو وصف مصلحي ـ تكون المصلحة التي فيه مرتضاة شرعًا. أو أن ترتب الحكم على ذلك الوصف يلزم فيه عقلًا تحقق تلك المصلحة. أما الأول وهو أن تكون المصلحة مرتضاة شرعًا فهو مراده بلفظ"اندفاع المبطلات". فلم يبق أن يكون المراد بالمناسبة إلا لزوم أو ثبوت تحقق المصلحة من ترتيب الحكم على الوصف. وهذا الثبوت يحصل بغلبة الظن ولا يحتاج إلى القطع. ويؤكد هذا المعنى قوله:"فإذا ظهرت الإخالة وسلم المعنى عن المبطلات وغلب الظن كان ذلك من قبيل ما يتعلق به الأولون قطعًا" [1] .

وقال الرازي:"الناس ذكروا في تعريف المناسب شيئين: الأول: أنه الذي يفضي إلى ما يوافق الإنسان تحصيلًا وإبقاءً وقد يعبر عن التحصيل بجلب المنفعة وعن الإبقاء بدفع المضرة... الثاني: أنه الملائم لأفعال العقلاء في العادات. فإنه يقال: هذه اللؤلؤة تناسب هذه اللؤلؤة، أي الجمع بينهما في سلك واحد متلائم، وهذه الجبة تناسب هذه العمامة، أي الجمع بينهما متلائم" [2] . ثم قال:"والتعريف الأول قول من يعلل أحكام الله تعالى بالحكم والمصالح والتعريف الثاني قول من يأباه" [3] .

(1) المصدر نفسه، ص: 527. فقرة: 759.

(2) الرازي، المحصول. 5/157 - 158.

(3) الموضع نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت