فهرس الكتاب
ولو دققنا في التعريفين لوجدناهما متلازمين عمليًا. فالثاني يعني ترتب المصلحة على الحكم في العادة، فتكون المصلحة مترتبة على الحكم بحسب العلاقة بين السبب والمسبب ويكون هذا الترتب سببا ً لتعليل الحكم بالوصف [1] . وهذا ليس تعليلًا لأفعال الله بينما التعريف الأول يعني - بنظره - تعليل أفعال الله فهو يأباه [2] .
وقال الغزالي:"إثبات العلة بإبداء مناسبتها للحكم والاكتفاء بمجرد المناسبة في إثبات الحكم مختلف فيه وينشأ منه أن المراد بالمناسب ما هو على منهاج المصالح بحيث إذا أضيف إليه انتظم. مثاله: قولنا: حرمت الخمر لانها تزيل العقل الذي هو مناط التكليف وهو مناسب. لا كقولنا: لأنها تقذف بالزبد أو لأنها تحفظ في الدّنّ فإن ذلك لا يناسب" [3] .
وقال:"أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم. لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع ومقصود الشرع من الخلق خمسة وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم. فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة. وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعه مصلحة. وإذا أطلقنا المعنى المخيل والمناسب في كتاب القياس أردنا به هذا الجنس" [4] . وهذا يبين مراده بالمصلحة وهو ما ثبت اعتباره شرعًا. وهو يوافق ما عند الجويني. ويوافق ما عند الآمدي في تعريف المناسب كما سيأتي.
(1) ولكن تنبغي الاشارة أن الرازي يرفض القول بالسبب والمسبب لان هذا بنظره تعليل لافعال الله. ولكنه يقول ما مفاده أن الله اجرى الشيء عند الشيء. وكذلك جعل المصالح مقارنة للأفعال، وليس أحدهما سببًا للآخر. أو أن المصالح مقارنة للاحكام. وسيأتي قوله مفصلًا في المبحث الثالث من الفصل الثاني.
(2) الرازي، المحصول. 5/157 - 158.
(3) الغزالي، المستصفى. 2/297.
(4) الغزالي، المستصفى، 1/286.