فهرس الكتاب
ولما رأيته يلح في الأمر بذلك ، أغلظت عليه في الكلام ، و قلت: دع هذا الفشار (1) ، وقم رح في شغلك ، فأنا ما طلبت منكم أن تخرجوني ؛ وكانوا قد أغلقوا الباب القائم ، الذي يدخل منه إلى الباب المطبق . فقلت أنا: افتحوا لي الباب حتى أنزل - يعنى فرغ الكلام .
وجعل غير مرة يقول لي: أتخالف (2) المذاهب الأربعة ؟ فقلت: أنا ما قلت إلا ما يوافق المذاهب الأربعة ، و لم يحكم علي أحد من الحكام إلا ابن مخلوف (3) ، وأنت كنت ذلك اليوم حاضرًا .
وقلت له: أنت تحكم ، أو أنت و هؤلاء ؟ فقال: بل أنا وحدي . فقلت له: أنت خصمي ، فكيف تحكم علي ؟ فقال: كذا - ومد صوته ، و انزوي إلى الزاوية - وقال: قم ، قم . فأقاموني ، وأمروا بي إلى الحبس . ثم جعلت أقول أنا واخوتي غير مرة: أنا أرجع و أجيب وإن كنت أنت الحاكم وحدك ، فلم يقبل ذاك مني .
فلما ذهبوا بي إلى الحبس حكم بما حكم به ، وأثبت ما أثبت ، وأمر في الكتاب السلطاني بما أمر به . فهل يقول أحد من اليهود و النصارى - دع المسلمين - إن هذا حبس بالشرع ؟ فضلًا عن أن يقال: شرع محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ وهذا مما يعلم الصبيان الصغار بالاضطرار من دين الإسلام: أنه مخالف لشرع محمد بن عبد الله . و هذا الحاكم - هو وذووه - دائما يقولون: فعلنا ما فعلنا بشرع محمد بن عبد الله
(1) الفشار: الكذب و الباطل و اللغو الفارغ .
(2) في المطبوع: أتحاف .
(3) ابن مخلوف هو قاضي المالكية بمصر أيام الشيخ تقي الدين ابن تيمية - رحمها الله تعالى . وكان شديد التمسك ببدعة الأشعرية في الصفات . ومضى في الترجمة شيء عنه .