فهرس الكتاب
فلما كان قبل وفاته بأشهر ورد مرسوم السلطان بإخراج ما عنده كله ، ولم يبق عنده كتاب ولا ورقة ، ولا دواة ، ولا قلم ، وكان بعد ذلك إذا كتب ورقة إلى بعض أصحابه يكتبها بفحم . وقد رأيت أوراقا عدة بعثها إلى أصحابه ، و بعضها مكتوب بفحم . منها ورقة يقول فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، ونحن لله الحمد و الشكر في نعم متزايدة متوافرة ، وجميع ما يفعله الله فيه نصر الإسلام ، وهو من نعم الله العظام . و { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا } (1) ، فإن الشيطان استعمل حزبه في إفساد دين الله ، الذي بعث به رسله ، وأنزل كتبه .
ومن سنة الله: أنه إذا أراد إظهار دينه ، أقام من يعارضه ، فيحق بكلماته ، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاق .
والذي سعى فيه حزب الشيطان لم يكن مخالفة لشرع محمد - صلى الله عليه وسلم - وحده بل مخالفة الدين جميع المرسلين: إبراهيم ، وموسى و المسيح ، ومحمد خاتم النبيين صلى الله عليهم أجمعين
وكانوا قد سعوا في أن لا يظهر من جهة حزب الله رسوله خطاب ولا كتاب ، و جزعوا من ظهور الإخنائية ، فاستعملهم الله تعالى حتى أظهروا أضعاف ذلك وأعظم ، وألزمهم بتفتيشه ومطالعته ، ومقصودهم إظهار عيوبه ، و ما يحتجون به ، فلم يجدوا فيه إلا ما هو حجة عليهم ، وظهر لهم جهلهم وكبهم وعجزهم ، وشاع هذا في الأرض ، وأن هذا مما لا يقدر عليه إلا الله ، ولم يمكنهم أن يظهروا علينا فيه عيبًا في الشرع والدين ، بل غاية ما عندهم: أنه خولف مرسوم بعض المخلوقين ، والمخلوق كائنًا من كان ، إذا خالف أمر الله تعالى ورسوله ، لم يجب ، بل ولا يجوز طاعته ، في مخالفة أمر الله ورسوله باتفاق المسلمين
(1) سورة الفتح 28 .