فهرس الكتاب
أخيرًا.. إذا كانت هذه الحكايات تنبئ عن وجود انتكاسة وتشير إلى حالة التردي التي وصلت بهذه الشخصيات إلى مواقعها النهائية مع تطوّر الحرب، ثم توقّفها، فإنها تنبئ أيضًا عبر بنية السّرد الروائي للحكاية، عن آلية قمع مرئية وغير مرئية، اجتاحت البنى التحتية والقوى المحرِّكة لها، على حدٍّ سواء، بحيث يصعب ـ في عالم الرواية هذا ـ الفصل بين ما هو مرئي من أليّات للقمع وبينما هو غير مرئي، وفي كلتا الحالتين تتجلى حالات القمع المتعددة، فتأخذ شكلها الفردي، في القتل والاستشهاد، والمعاناة، وشكلها الجماعي في الإبادة والترحيل والمطاردة.
غير أن هذه الحكايات جميعها تحفل برؤية أحادية، تأتي لتفسر الانحطاط، أو الانحدار الذي طال تلك الشخصيات الروائية سواء في"الثورة الفلسطينية أم في الحركة الوطنية اللبناينة، هذه الرؤية جاءت كنتيجةٍ لممارسات ذات طابع عسكري محض، لا يقيم أي اعتبار للبعد الإنساني أو الأخلاقي للقضية، التي يناضل من أجلها، ولا يعتمد وسائل أخرى في مواجهة العدو، مما أضعف أبعاد الدلالة العامة للرواية، إذ يبدو العالم الروائي في"الوجوه البيضاء"يرزح تحت وطأة المنطق العسكري ـ بشكل مطلق ـ يتحكم بمصائر الشخصيات وأفكارها، وممارساتها اليومية الأخرى، كتعبير صارخ عن الواقع المادي الملموس، مما أضعف نسيج العالم الروائي ـ الفني: المعرفي والمتخيل، إلى حدٍّ ما، عبر مقاربة الواقع إلى درجة التطابق في كثير من الأفكار والأحداث."