فهرس الكتاب
لكنه أبعد هذه الأفكار السوداء من ذهنه راسمًا صورة رؤوف علوان الأولى؛ صورة"الصديق والأستاذ وسيف الحرية المسلول؛ وسيظل كذلك رغم العظمة والمقالات الغريبة وسكريتاريته الرفيعة"/ ص 35 /.
غير أن اللقاء بين التلميذ والمعلّم كان كاشفًا للتّغَيُّر الذي لحق برؤوف علوان، عبر آلية القمع والاستلاب، وفقدان الحرية، وكأن الكاتب يعرض ـ من وجهة نظره ـ أزمة الانتماء الثوري، وماذا حلّ بها، عبر شبكة متداخلة من العلاقات المعقدة، لم ينضج فيها الفكر الثوري، نتيجة إرثٍ ضخم من القيم الفكرية والاجتماعية، تتعلق بالرؤية القدرية المستسلمة للغامض المجهول، خاصة في حالة القمع واستبداد السلطة، وإحكام الطوق على حرية الإنسان.. حتى في الحلم؛ ليتحوّل إلى أداة طيّعة من أدوات السلطة المهيمنة.
هكذا تحوَّل رؤوف علوان؛ فقد أمسَتْ ثوريته جزءًا من الماضي. وواقعه الآن يشي بإنسان جديد، وفكر مختلف تمامًا؛ لقد تخلّى رؤوف علوان عن انتمائه الثوري، منتهزًا الوصول إلى مصاف الطبقة المتنفذة، التي تريد في الأصل القضاء على ذلك الانتماء، الذي كان يمثلهُ. وبمعنى أبسط أنه ركب الموجة السياسية الجديدة، وانضمّ إلى خدمة السلطة والطبقة العليا المستغلة، فتحول بذلك إلى أداة قمع بيد أولئك المهيمنين والمستغِّلين، بدءًا من قمع ذاتِه أولًا. وقد اختار مهنة الصحافة ـ الأكثر تعبيرًا عن انتهازيته وانجرافه، فهي موقع يمكّنه من تحقيق مصالحهِ وممارسة نفوذِه من جهة، وخدمة العالم المفعم بالخمر والنساء والقمع والاستغلال. ذلك العالم الذي انغمس فيه، ونسي عالمًا مطرزًا بأحلام الثورة والتمرد؛ جاء منه ليصنع التغيير.
وفي ضوء ذلك تغيّر موقفه من سعيد، وتنكّر له، على الرغم من جرأة سعيد في مواجهته وتقريعه بما طرأ عليه من تغيير.
غير أن رؤوف علوان كان من الحيطة والحذر ما يجعله يحرص على التخلّص من سعيد مهران، ودفنِ كل ما يتصل به.