فهرس الكتاب
غير أن ردّة الفعل لدى الجمهور تشير إلى التعاطف والتأييد لقضيته، كونه ضد الطبقة المستغلّة وأدواتها القمعية.
لقد كان الانتماء الثوري لدى سعيد مهران ينقصه التنظيم والفكر، اللذان مثّلهما رؤوف علوان، قبل السجن، ذلك الثوري المرتد، الذي تخلى عن تكملة المسيرة وانضم إلى محاربتها وقمعها، ولهذا لم يتردّد سعيد مهران في أن يدفع حياته ثمنًا للقضاء عليه.
غير أن محاولاته ـ في ظل الغياب الشامل للتنظيم والديمقراطية ـ تصاب بالفشل فقد كان محاطًا بالخونة والمزيفين الذين أنكروه ـ زوجته ـ وابنته.. وأصدقائه ـ، وبالتالي فإنه من أبناء الطبقة الدنيا التي لا يزال مصيرها معلقًا بأيدي اللصوص من الطبقات العليا المتنفذة.
في ظل هذا كله يسقط سعيد مهران"بطلًا تراجيديًا"مضرجًا بدمائه.. بين المقابر، وحيدًا في مناخ يمتصّ كل ما هو إيجابي وثوري في شخصية سعيد، فلا يبقى أمامنا سوى"المظهر الفردي والفوضى والعبثي لحياته الدامية".
من هنا تأتي رؤية نجيب محفوظ الرافضة للشخصية المباشرة"للثوري النموذجي"في نمطيته الكلاسيكية، المبنية بشكل هندسي، بحيث تتطابق مع آلية ميكانيكية للفكر الثوري، ولهذا نراه يعادل الانتماء الثوري معادلة موضوعية، تخفي وتعلن عن الكثير من التفاصيل الواقعية.
إن محفوظ ـ في مرحلة ما بعد يوليو ـ يأتينا بشخصية تحمل في تضاعيفها أثقال المجتمع الجديد، وما يكمن فيه من تناقضات وأحلام وقمع وانكسارات، ورؤى ثورية وانتهازية، وأطماع ومستقبل غامض.
لذا يجسد نجيب محفوظ أبطاله الجدد: ـ سعيد مهران ـ عيسى الدباغ ـ عمر الحمزاوي ـ أنيس زكي ـ..، في صورة الثوري، ليس في انتمائه السلبي، بل في ظل مناخ سلبي معقد وقمعي، [1]
(1) "رؤوف علوان"نموذج آخر، يختلف عن هؤلاء بمستويات مختلفة راجع هامش