فهرس الكتاب
أفرز مرحلة الضياع والفوضى، أي أن التشويه والسلبية، والانحراف، كسمات بشعة تجرف هذه الشخصيات إلى هاوية السقوط ـ ليست سمات ذاتية كامنة، بقدر ما هي انعكاسات مكثفة لواقع مشوّه.. تحكمه آلية قمع تدميرية ـ غير مرئية أحيانًا ـ تجلّت في مرحلة"الضياع الشمولي..".
هكذا يسقط سعيد مهران سقوطًا مأساويًا، تنرف دماؤه سؤالًا كبيرًا، حاول نجيب محفوظ الإجابة عليه في"أولاد حارتنا"لكن الواقع المتغيّر أسقط الإجابة قائلًا أن المشكلة، وهي تتفاقم، في ظل آلية القمع والقهر والاستلاب، لا تزال بلا حل.
وإذا كانت"نور"وهي المومس، الأمل الوحيد الذي تراءى لسعيد مهران، قبل سقوطه بلحظات فإن"سناء"تمثل خيبة الأمل التي مزقته فور خروجه من السجن؛ ـ هي ابنته التي اختارت الأم الآثمة وعشيقها الملوّث صديقه القديم ـ عندئذ لابد أن يسقط سعيد مهران، بطلًا ثوريًا مهزومًا. كتعبير دلالي: عن الواقع المشوّه، المحكوم بانهيار القيم والمبادئ..
وفي اللحظة التي تمّ فيها القضاء على سعيد مهران"تغلغل الصمت في الدنيا جميعًا.. وتكاثف الظلام"/ ص 175 /. لكن أيّ ظلام يعني المؤلف..؟، هل هو ظلام القهر والاستبداد وفقدان الحرية والعدالة، مما يؤدي إلى قتل أمثال سعيد مهران، بينما يُترك أمثال"رؤوف علوان"لممارسة القمع والزيف وارتكاب الجرائم في حق المجتمع..؟!.
إنه السؤال القديم، يتجدد ويزداد كثافة وتعقيدًا، ليلقي ظلاله على تجربة جديدة، هي"تجربة الواقع الحي"في"اللص والكلاب"، ثم تليها"تجربة المنتمي إلى الماضي"في"السمان والخريف"حيث نلتقي بمجموعة من الشخصيات ـ وفي مقدمتها عيسى الدباغ ـ الرامية إلى اختلاف الرؤية الفكرية والانتماء إلى الثورة، أو الانتهازية. أو الرفض.