فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 169

ومن يومها بدأ رجب يلاحظ يومًا بعد يوم، أن أشياء كثيرة من جسده تتغير وتضطرب. وسيعترف بعد خروجه من السجن، أن أنيسة كانت تقوده"في الدهاليز اللعينة"وتسرْف في التحدث عن العالم الخارجي، تغريه وتغويه لكي يحسّ كم هو محروم من هذه"الجنة"التي تنتظره في الخارج. ولهذا اعترف فيما بعد قائلًا"أنيسة هي التي دمرَّت حياتي"/ ص 23 / وقد اعترفتْ هي بذلك في النهاية. لقد كانت عاملًا رئيسًا، ودافعًا حاسمًا قاده إلى الاعتراف والسقوط [1] .

ويطلق سراح رجب، لكن السجن يظل في داخله. فقد كان السجن امتحانًا عسيرًا له. ثم كان التعذيب محنته؛ ويبدو أن ما كان يخشاه"رجب"طيلة فترة السجن هو أن تضعف إرادته، التي نبّههُ إلى أهميتها"هادي"رفيقه، موضحًا له أن القرار هو للإرادة / ص 75 /.

كان يخشى أن يزداد إحساسه بأعضاء الجسد على الإحساس بصموده الداخلي.. الروحي، لذلك راح يمتحن جسده وروحُه معًا وحين بدأت طقوس التعذيب ـ بدءًا من الضرب والرّفس واللدغ بالكهرباء وإطفاء السجائر في ظهره، ورقبته، وأذنيه، ومؤخرته.. الخ. حين مارسوا كل ذلك، اكتشف رجب أن الإنسان قد يتحول إلى إله حقيقي في صموده وتحديّه / ص 76 /، على نحو من الانتصار على الخصم، وقهره ـ رغم امتلاكه كل وسائل القهر والتعذيب.

لكن ذلك كله لم يَحُلْ دون سقوطه في النهاية ونسي ما قاله أن الإنسان بصموده إلهٌ حقيقي / ص 81 /.

صار يتكلّم عن أن عيبَ الإنسان في جسده / ص 88 /. وأن الجسد"هو الذي يقرر"و"الجسد وحده هو الذي يفعل كل شيء".

وبالرغم من أن جسدًا مثل جسد رجب.. احتمل ما لا يمكن تحميله مسؤولية السقوط، فقد اعتبر أن جسده هو الذي خانه بعد ما بنته"الأم"ونفخت فيه روح الصمود والتحدي، في كل زيارة كانت تقوم بها إلى السجن لرؤيته / ص 28 /.

(1) محمود أمين العالم ـ البنية والدلالة في القصة والرواية العربية المعاصرة ـ دار المستقبل العربي ـ القاهرة / 1994 / ـ ص / 59 /.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت