فهرس الكتاب
غير أن هناك تمايزًا نسبيًّا في أسلوب السّرد بين النصين: فنصّ ـ طالع العريفي ـ مبني على أسلوب المذكرات، ولهذا يغلب عليه السرد التقريري والوصفي المباشر، والتحليل العادي، عبر الجمل الطويلة والزائدة أحيانًا. أما نص عادل الخالدي فإنه يجنح إلى الإفضاء والبوح وتداعي الذكريات، يغلب عليه الطابع الانفعالي، والجمل القصيرة، الأكثر قدرة على التعبير، كما تميز كذلك بالوصف والتحليل.
إن الحديث عن رواية"الآن.. هنا"يحيلنا دائمًا إلى المقارنة بين الروايتين، وهذا أمرٌ طبيعي، فهما لكاتب واحد، ويعالجان الموضوع نفسه في إطاره العام.
غير أن ما يلفت الانتباه هو الفرق بين بنية"شرق المتوسط"و"الآن.. هنا"الذي يبرز في الفصل الأول للرواية حيث تقع أحداثه في مستشفى"كارلوف"في براغ، بعد أن يلتقي الرفيقان ـ طالع العريفي وعادل الخالدي ـ، تمهيدًا للفصلين التاليين، المكرسين لفضح آلية القمع والتعذيب الوحشي، الذي عاناه كل من طالع وعادل:"وفجأةً، وكما تقع الزلازل، أو كما تنفجر البراكين، وبطريقة شديدة البراعة والإتقان، وجدت أن أبواب الجحيم فُتحت علي"الضرب. اللكمات بالأرجل،.. كلها انصبّت عليّ. كانت الضربة توقعني أرضًا. وكانت القفزة فوقي تجعلني أمتزج بالأرض، وما أكاد استقر لحظة حتى تنتزعني يدٌ مدرَّبةٌ وشديدة الجبروت وتطرح بي في الهواء، وقبل أن أصل إلى حائطٍ، أو إلى الأرض، تتلقاني ضربة أقوى منها فأرتدّ"/ ص 168 /."
غير أن الفصل الأول في"الآن.. هنا"يضيف إلى صور التعذيب، صورة أخرى مغايرة لصورة المناضل في"شرق المتوسط". تكاد تمنحها دلالة متميزة عن الأولى؛ فهي لا تصور معاناة"رفيق مناضل"سقط في محنة التعذيب واعتَرَفَ، وإنما تقدم ـ على العكس من ذلك تمامًا ـ موقفًا بطوليًا محصنًا بالصمود لرفيقين مناضلين"متماسكين يتحديان آلية القمع بكل تجلياتها الوحشية"