فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 169

أما رواية"الآن.. هنا"وعلى الأخص في الفصل الثاني والثالث ـ فهي ذات فضاء أكثر تنوعًا، يتعدى الأسرة والعائلة والمدينة، وهو محصور داخل لحظات التعذيب المختلفة بين المعتقلين والجلادين، ولا أثر لأي علاقة خاصة حميمية: عائلية أو اجتماعية، وهذا أمر غير طبيعي في تجربة السجن، فكأن حالة السجن والتعذيب ولِدت في عالم مطلق، مجرّد ومعزول عن كل ارتباط أسري أو اجتماعي.

غير أن هذه العزلة، عزلة مقصودة منسجمة مع الدلالة العامة لرواية"الآن.. هنا". فإن كانت"شرق المتوسط"هي في جوهرها تعبيرًا صارخًا عن محنة فردٍ، محنة أسرة عبر فكرة طموحة للتطهر الذاتي. فإن رواية"الآن.. هنا"ترقى في دلالتها من المحنة الفردية الذاتية إلى فضاء إنساني أكثر شمولًا واتساعًا، ولهذا لم تقف دلالتها عند حدود التعذيب والتطهّر الذاتي، إنّما امتدت إلى التمرّد على أشكال القمع والسجون، وتحرير الإنسان منها، إلى جانب مساهمتها في فضح أنظمة ـ شرق المتوسط ـ السياسية والحزبية ـ وتجلياتها القمعية، والتطلّع إلى التغيير.

من هنا يمكن القول: إن الرواية في دلالتها العامة، ليست أزمة داخلية ذاتية، وهي ليست أزمة فرد.. سواء كان بطلًا أ ومتخاذلًا، وإنما هي // أزمة نظام علاقات إنسانية وسياسية// [1] تجلت في المسار العام لآلية القمع المرئية وغير المرئية، المحسوسة والخفية، سواء في تنظيم حزبي ما، أم في نظام سياسي أو اجتماعي عام. لأنها بالتالي تخص قضية الإنسان أينما كان.

وهكذا يتم الانتقال بين الروايتين: من"أنا"السقوط والتطهّر، إلى"نحن"التحدّي والتغيير، من استعادة الذات الفردية لكرامتها الشخصية ـ كما فعل رجب ـ، إلى ضرورة الفعل كما فعل عادل الخالدي ورفيقه من أجل تحقيق الحرية والعدالة في مجتمع يسود فيه القمع والاستلاب، والخوف من الآتي.

غسان كنفاني

(1) ـ البنية والدلالة في القصة والرواية العربية المعاصرة ـ مصدر سابق ـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت