فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 169

وعندما انتهت كل محاولاته في أن يقبل صاحب المكتب الدنانير الخمسة، التي لا يملك مروان أجرًا سواها. اتكأ إلى الحائط، وأحسّ بالغربة تجتاحه من جديد"لكنه ما أن بدأ يمشي في الزحام حتى شعر بيدٍ تربت على كتفهِ.."

/ص 74/. كان"أبو الخيزران".

وهناك.. فوق مقعد إسمنتي كبير في رصيف الشارع الموازي لشط العرب.. يلتقي الثلاثة بأبي الخيزران، ذلك المجاهد الفلسطيني القديم، الذي فقد ذكورته في إحدى المعارك، ولم يبق له سوى أن يجمع المال، والمال، والمال؛ بالطرق المشروعة وغير المشروعة..، لقد ضاعت رجولته وضاع الوطن وتّبًا لكل شيء في هذا الكون الملعون /ص 110/.

عبر هذه الشخصيات، ومن خلال الذاكرة التي تحملها، يبدأ تشكيل الرواية الفني، عبر تداخل الأزمنة والأمكنة لتلك الحقبة التاريخية في إطار رحلة الموت هذه.

كانت خطة أبي الخيزران للتهريب خطة بسيطة، هي أن يعود صَهريج الشاحنة إلى الكويت فارغًا؛ وبذلك يستطيع أن ينقل الثلاثة معه:

يركبون إلى جانبه أثناء الطريق. ثم في الدقائق السبع، قبل اجتياز الحدود، وأثناء التصديق على الأوراق يختبئون داخل خزّان المياه الفارغ وبعد الانتهاء من ذلك، والابتعاد عن نقطة مكاتب الحدود قليلًا، يستطيع أبو الخيزران أن يخرجهم من الخزان ليستأنفوا الرحلة، راكبين إلى جانبه.

لم يكن أبو الخيزران محتالًا ومخادعًا، ولهذا كان واضحًا معهم في استعراض خطته، مبيّنًا قسوة الشمس في الطريق الذي يشبِّههُ"بالسراط الذي وعد الله خلقه أن يسيروا عليه قبل أن يجري توزيعهم بين الجنة والنار.. فمن سقط عن السراط ذهب إلى النار، ومن اجتازه وصل إلى الجنة"/ص 105 -106/.

هكذا يضع غسان كنفاني شخصياته الروائية في امتحان عسير، مخيف وقاتل؛ في رمزٍ فني للجحيم الفلسطيني في المنفى، مجسدًا آلية القمع في أشدِّ صورها عنفًا، بقدر ما في الواقع نفسه من فجيعة صارخة.. تزخر بالقهر والاستبداد.. والموت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت