فهرس الكتاب
إن هذه الشخصيات، ليس عليها أن تمرّ من الصحراء العربية وتصطلي بنارها فحسب، لكن عليها أن تتخفّى عند اجتياز الحدود إلى المكان البديل، في خزان المياه الفارغ من الماء، والطافح بضراوة اللهب.
كان عليهم أن يختبئوا في خزان الجحيم دقائق بلا حراك حتى يتخطوا الحدود العراقية، وقد نجحوا بذلك، ثم عليهم أن يمضوا سبع دقائق لتجاوز نقطة الحدود الكويتية وينتهي الأمر.
غير أنا أبا الخيزران يتأخر عنوةً في نقطة الحدود الكويتية وهو يحاول جاهدًا تصديق أوراقه بأقصى سرعةٍ ممكنة. ينظر إلى ساعته محاولًا التخلص من مداعبات الموظفين الذين يستوقفونه أمام مكاتبهم.. يمازحونه بأسئلة عن شائعات سمعوها، عن علاقة تربطه بإحدى الراقصات في البصرة، دلالة على سخريتهم العابثة بعجزه الجنسي.
وحين ينتهي من تصديق أوراقه، يخرج أبو الخيزران إلى الشاحنة.. يقودها مسرعًا.. مبتعدًا عن نقطة الحدود مسافة صغيرة.. ليتوقف ويفتح باب الخزان.
كان الوقت قد فات، والدقائق السبع -المعادل الموضوعي للنجاة -تحولت إلى أكثر من ذلك، تحولت إلى الموت اختناقًا في صهريج الجحيم.. لتجد جثثُهم نهايتها في ركام مزبلةٍ صحراوية لا تسمع النداء الذي اشتعل في رأس أبي الخيزران، وابتلعته رمال الصحراء حين أخذ يصرخ:
"لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟"
لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا لماذا؟""
لقد كان سؤالًا حقيقيًا آنذاك، وسيصبح في المستقبل السؤال الصعب والمهم، إذ سيبرز بشكل صارخ، عبر الطريقة التي يتعامل بها العرب مع المأساة الفلسطينية:"نحن دومًا نتنبأ بالمأساة قبل وقوعها. ودومًا نحن نصاب بالدهشة بعد حدوثها.. لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ سيصبح سؤالًا مهمًا في الأدب العربي" (31) .