فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 169

إن الشيء يحمل نقيضه دائمًا، فطّلَبُ الراحة يتضمن التخلّص والانعتاق من وضعٍ مأساوي ما، آلية قمع غير مرئية تعمّر قلبه بالهم والعذاب، فيلجأ أبو قيس، الذي ينأى عن الأرض، إلى التراب.. يلقي بصدره إليه، فلا يسمع سوى دبيب الأرض الأولى.. المفقودة.. تخفق من تحته، مطوّفةً في ذرات الرمل، قبل أن تعبر خلايا أبي قيس ذاته؛ فنكتشف أننا إزاء علاقة متعددة الأبعاد بين أبي قيس والأرض، هي ليست قريبة من القلب، لكنها متوحدة فيه، ذات بعد تاريخي تكويني، يتصل برحم الأرض والمجتمع والأسرة، تستمد رائحتها من تلك الألفة الدافئة التي يشمها الرجل في"رائحة امرأة اغتسلت بالماء البارد وفرشت شعرها فوق وجهه وهو لم يزل رطيبًا"/ص 37/..

رغم هذا البعد التاريخي -الحياتي الدموي -بين أبي قيس والأرض (33) نكتشف أن تلك الرائحة -(التي ترسم حركتها اتجاهًا مماثلًا لذاك الذي رسمه نبض الأرض وتنتهي مثله في عروق أبي قيس، في دمه وخلايا جسده -نكتشف أنها تحمل بعدًا آخر متعدد الدلالات، يتمثل بعلاقة عاطفية، جنسية، كما تبدو في تعبير أبي قيس عن أحاسيسه ومشاعره التي تثيرها فيه تلك الرائحة.. -

رائحة امرأةٍ اغتسلت بالماء البارد، وفرشت شعرها فوق وجهه وهو لم يزل رطيبًا - [1] .

وإذا كان هذا البعد، الجنسي -العاطفي، بسيطًا وثانويًا في خفقان الأرض، فإنه يختلف هنا في رائحتها، إذ يصبح مركبًا ومبتكرًا، كثير الغنى -فنيًا وواقعيًا -يسيطر على العلاقة الحياتية -الدموية -ويتداخل معها في حالة اكتمال، كما يؤكد أبو قيس أخيرًا في حالة تعبيرية عن الخفقان"كأنك تحمل بين كفيك الحانيتين عصفورًا صغيرًا.."/37/.

(1) ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية ص /52/ -مصدر سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت