فهرس الكتاب
نكتشف أيضًا -عبر مفهوم العلاقة الكلية لأبي قيس بالأرض، بعدًا آخر يتوج علاقة الالتصاق والتوحد بالمكان والزمان معًا، هو البعد الوجداني، الذي تكتمل به دائرة العلاقة الكلية بالأرض؛ وبالتالي يصبح الانقطاع عنها، بمعنى الغياب والفَقْد، نذيرًا بالعجز والخيانة، والموت؛ وكلّما كان الانقطاع -ملامسةً ورائحةً -أقوى، كان النذير أخطر، وبالتالي يصبح الموت الوشيك هو الأقوى.
إن غسان كنفاني، إذ يحاول تقديم رواية واقعية بأبعاد رمزية -كما تشير قراءتنا الأولى لمطلع الرواية -فإنه يحاول أن يقيم تفاعلًا جدليًا بين الرمز والواقع، محددًا بذلك رؤيته التاريخية -الاجتماعية، أو بالأحرى موقفه التاريخي، هذا التفاعل لا يمكن الحكم عليه مسبقًا قبل تتبعه واكتشافه لتبيان آلية القمع وتجلياتها عبر هذا النص الثّري بدلالالته ورموزه.
فالرواية - كما ذكرت سابقًا -تقدم لنا حكاية فلسطينيين ثلاثة، يموتون اختناقًا على الحدود الكويتية، داخل خزان شاحنة المياه، يقودها سائق فلسطيني يعمل عند أحد الأثرياء الكويتيين؛ هذا الموت جاء ذروة التداخل بين الاقتلاع من المكان والقمع في المكان الوهمي البديل: تمثّل ذلك في تحركهم باتجاه واحد، فرض عليهم وضعًا محددًا /داخل الصهريج/ وزمنًا تجاوز الدقائق السبع إلى عشرين دقيقة -شكَّل الوحدة الضدية بين الزمان والمكان، في إطار البحث عن الحل الفردي، والتخلص من الوضع المأساوي الراهن.
هذا المسار الذي لا خيار فيه، كان مؤشرًا رمزيًا للتهديد المتفاقم، كالنذير لمن يحاول الانقطاع عن الأرض الأم، ويحاول عبثًا البحث عن مكان بديل.
فالانقطاع عن الأرض هنا -البنية العامة للرواية-، يشكّل تهديدًا بالعجز والخيانة والموت، وتزداد خطورة هذا التهديد بحجم الابتعاد المكاني -الزماني -عن الأرض.