فهرس الكتاب
وتحت وطأة إرهاصات القمع والضياع، خارج تلك الأرض، لا يجد الثلاثة غير الكذب والخداع والأوهام والخيانة، فتفقد الحقيقة وجودها في الابتعاد عن تلك الرائحة.. رائحة المكان والزمان. فأبو قيس وأسعد ومروان، يتوهمون الحل لمشكلاتهم في وصولهم إلى الكويت: أسعد يتوهم الصدق في تعهد أبي العبد بأن يوصله إلى بغداد،"لكنه كذب عليه، استغلّ براءته وجهله، خدعه"/ص 57/ -، وتوهم مروان أنه بإمكانه تهديد سمسار البصرة، الذي يتولى تهريب الناس، بتخويفه في اللجوء إلى الشرطة، /ص 72 -73/، كما أن مفاوضات الرجال الثلاثة مع أبي الخيزران، تكشف ما فعلته آلية القمع والاقتلاع في تشويه الشخصية الفردية خارج الأرض، من كذب ودجل وخداع /ص 62 و101/، فأبو الخيزران، المناضل الذي خاض معارك /1948/ -وفقد علامة ذكورته أثناءها، يمعن في القطيعة مع الأرض -مكانيًا وزمانيًا -
/ص 82/-، فيوغل في الكذب والخداع إلى درجة الخيانة: فهو يكذب على الحاج رضا، ويخونه حين يقوم بعملية تهريب في سيارته؛ ويخدع الرجال الثلاثة حين أكد لهم أن تجاوز الحدود العراقية لا يستغرق أكثر من خمس دقائق أو سبع، وكذلك الأمر بالنسبة للحدود الكويتية /ص 97 -98/ ثم /ص 113 -115/؛ لكنه يضطر لأن يمضي إحدى وعشرين دقيقة (34) .
إن وضعَ أبي الخيزران -الملتاث بعجزه الجنسي -يشكل رمزًا حادًا وجارحًا لما يمكن أن تبلغه آلية القمع والاقتلاع من تشويه وتوحش في الأداء، يصل إلى حده الأقصى؛ البتر والموت.
هذا الموت الذي يصل إليه أولئك الرجال الثلاثة الممعنون انقطاعًا وابتعادًا عن أرضهم؛ ما هو إلاّ موت يسعى بآليته وحركته إلى موت آخر /ص 114/، لا يمكن أن يلد إلا العدم.
من هنا تتوضح بينة الرواية في تأكيد أشرت إليه في مطلع الدراسة، من أن الانقطاع عن الأرض /فلسطين/، بالهرب أو بالسفر أو بالاقتلاع.