فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 169

هو مخاطرة قاتلة، وليس"موت رجال في الشمس"اختناقًا، داخل خزان مقفل، إلا تجسيدًا يمثل ابتعادهم عن الأرض ونبضها، وحرمانهم من رائحتها؛ إنه يمثل (التصحّر الضاري) والنقيض الكامل للأرض الندية.. الخصبة، على كل المستويات، هذا النقيض يمثل ذروة القمع، الذي يتنامى بالانقطاع ثم الموت؛ ذلك الذي يهدد الجميع، بمستويات متفاوتة، وبأشكال متعددة.

في ضوء ما سبق، يعلن غسان كنفاني موقعه، الذي يمكن إيجازه عبر الاستنتاجات التالية:

1-الإدانة المطلقة للانقطاع عن الأرض والابتعاد عنها؛ إنه استغراق في حالة القمع، ثم الموت وهذا الاستغراق يولّد حالةً من الكذب والخداع -كما هو سائد في العلاقات الاجتماعية داخل النص الروائي -والعلاقات السائدة داخل الأنظمة العربية وفيما بينهما على أرض الواقع -، وليس هذا الاستغراق سوى الاندماج في مؤسساتها بما يعنيه من تذويب الشخصية الفلسطينية وتهميشها؛ وهي أشبه بحالة الموت -كحال أبي الخيزران الذي لم يعد يعنيه شيء سوى مزيد من النقود، والعيش المرفّه، والسكينة التي تقرّبُه من حالة الانقطاع عن الأرض، إلى حدّ الموت /ص 114/، وكحال أولئك الذي يصيبهم الفشل في صحراء الغياب والسفر والانقطاع عن الأرض /فلسطين/ فيتحولون هياكل عظمية فوق الرمال الملتهبة /ص 113 -131 -132/.

هذا الانقطاع عن المكان -كمعادل رمزي للضياع الكلي -يؤكد موت الرجال الثلاثة في جحيم الخزان المعدني عند الحدود.

2-إن الإدانة التي يعلنها غسان كنفاني، توضح عدمية الحل القائم على إيجاد المكان البديل، سواء بالهروب، أم بالسفر، أم بالاندماج؛ ففي الابتعاد عن الأرض /فلسطين/ يستحيل وجود حلّ للمشاكل المطروحة آنذاك (35) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت