فهرس الكتاب
ضمن هذه المعطيات، يبرز السؤال المفاجئ، المثير، الذي أزهر في رأس أبي الخيزران، ثم انزلق على لسانه:
"لماذا لم تدقوا جدران الخزان"
إنه سؤال أبعد من أن يستدعي الإجابة عليه تلك اللحظة، فهو يثير إشكالية تاريخية مهمة، رغم اختزاله تاريخ القضية الفلسطينية وكيفية التعامل معها مِن قِبل الأنظمة العربية والعالم على حدّ سواء.
سؤال.. ننظر إليه ضمن أطر القمع والاستلاب والقهر العربي، من جهة والاقتلاع ثم الشتات الفلسطيني عبر الابتزاز والمتاجرة به -من جهة أخرى.
هذا السؤال يدفعنا إلى القول إن الرجال الثلاثة ربما لم يستسلموا للموت اختناقًا هكذا، إنّما دقّوا جدران الخزان.. وصرخوا.. وربّما استنجدوا، وبذلوا كلّ طاقاتهم، ليحتفظوا بالرمق الأخير، ذلك ما يفعله كل إنسان متشبثٍ بالحياة، ولا سيما الثلاثة يقدمون على مغامرة من أجل الخلاص الفردي لكل منهم، وهذا تعبير دلالي على تمسّكهم بالحياة؛ ولا يمكن أن يستسلموا بسهولةٍ، لتلك الطريقة من الموت، أمام هذا العقم العربي الفلسطيني، دون صراخ وطلب النجدة والاحتجاج.
لقد مات الثلاثة اختناقًا!. هل لأنهم لم يدقوا جدران الخزان..؟، أم لأنه لم يكن هناك من يسمعهم..؟.
وإذا كان هناك مَنْ سمع صدى صراخهم فلماذا لم يكلّف نفسه عبءَ نجدتهم..؟!!.
إنه السؤال الذي يولّد أسئلة المستقبل، دون توقف.. (38) .
من هنا يترك غسان كنفاني روايته مشرّعة الأبواب والنوافذ.. لتنطلق منها الأسئلةُ أسرابًا كالعصافير التي تبحث عن أعشاشها.
جمال الغيطاني
... ... ... الزيني بركات [1]
يبني الغيطاني عالمه الروائي، مستندًا إلى وعي تاريخي كثيف، من رصد أحداث هزيمةٍ قديمة، وقعت لمصر في القرن السادس عشر ميلادي، مسائلًا هزيمة حزيران الراهنة، أمام العدو المزدوج -الصهيوني الأمريكي -، موحدًا بين الهزيمتين وأسبابهما المماثلة..
(1) -اعتمدت هذه الدراسة على الطبعة الأولى -وزارة الثقافة -دمشق -/1974/.