فهرس الكتاب
غير أن تقنيات السّرد المبتكرة لدى الغيطاني، في هذه الرواية، تكاد توحّد بين المؤرخ والروائي، خاصة فيما يتعلق بجدل القمع والهزيمة، وأسبابهما؛ هذا الجدل الذي لا يزال يحتفظ بمصداقيته رغم اختلاف الأزمنة، وهذا لا يعني أن رواية الغيطاني مجرد رواية رمزية، تتحول الأحداث فيها والشخصيات إلى أقنعة تاريخية لأحداث وشخصيات راهنة -معاصرة؛ فهزيمة /1517/ م ليست هزيمة /1967/ م بالتأكيد، كما أن المجتمع المملوكي في مطلع القرن السادس عشر، ليس مرآة المجتمع المصري في مطلع النصف الثاني من القرن العشرين، كما أن /الزيني بركات -وزكريا بن راضي من ناحية، وسعيد الجهيني، والشيخ أبو السعود الجارحي، من ناحية أخرى، ليسوا مجرد إسقاطات على الواقع المعاش، إذ لهم كيانهم المستقل، وحركتهم الموضوعية في الواقع التاريخي [1] .
ومع ذلك فهذه الشخصيات التي تمثل قوى القمع والاستبداد من جهة؛ وقوى الوعي المضاد من جهة أخرى، هي شخصيات مشابهة في راهنيتها، داخل السلطة والمجتمع، من حيث الأهداف والنتائج والسلوك، وحركة القمع وآلياته المتعددة.
يحيلنا العنوان إلى -الزيني بركات بن موسى، الذي تردَّد اسمه كثيرًا في كتاب ابن أياس - (40) ؛ ويذكر التاريخ -كما في الرواية -أنه تسلَّم حسبة القاهرة وغيرها من الوظائف المتعددة بعد أن كان يفقدها، لكنه لا يلبث أن يستعيدها من جديد، وقد ازداد قوة ونفوذًا، واستمرّ هذا النفوذ حتى بعد الاحتلال العثماني لمصر.
والزيني بركات -كما توحي الرواية -شخصية سياسية مراوغة، متغطرسة، ملتبسة، غريبة الأطوار..، يتذمّر منه التُجَّار لقمعه وملاحقته لهم، وفي الوقت نفسه يوهم الناس بنزاهته وعدله، ويحاول المماليك قتله لتطاوله على شؤونهم أنفسهم، فيوضع في السجن ويكاد يشنق.
(1) الروائي والتاريخ -د. رضوى عاشور -مجلة الطريق -بيروت -العدد /3 -4/ -خاص في الرواية العربية -/1981/ -ص /134/.