فهرس الكتاب
لكن ذكاءه المراوغ، وغطرسته الماكرة، كانت تسعفه في العثور على نافذة للنجاة، ليتابع من جديد تسلّقه، وقد ازداد علوًَّا حتى صار في مقام الملك، يتصرف بشؤون وأحوال البلاد كما يشاء، فتزايدت عظمته، واجتمعت فيه الوظائف كلها، /عزيز مصر/ في تلك الأيام. ويظهر الزيني بركات سياسيًا بارعًا؛ يتقن المكر والخداع والنفاق، يمارس الرذائل، ويبدو فاضلًا. فينال ثقة الشعب والسلطة معًا، ويتولى حسبة القاهرة بموجب مرسوم جاء فيه:
(( يتولى بركات بن موسى حسبة القاهرة لَمَا تبين لنا بعد ما قدمناه، ما فيه من فضل وعفة، وأمانة وعلوّ همّة، وقوة وصرامة، ووقور وهيبة، وعدم محاباة أهل الدنيا والجاه، ومراعاة الدين، كما أنه لا يفرق في الحق بين الباطل والحقير، لهذا أنعمنا عليه بلقب"الزيني"يقرن باسمه بقية عمره ) )/ص 37/.
هكذا يصل الزيني بركات إلى السلطة بإيهام الناس وخداعهم بنزاهته، وعدله، وحرصه على أمنهم وقُوْتِهم.
غير أن الناس يكتشفون تدريجيًا أن سلطة الزيني بركات، ليست إلاّ حلقة تضاف إلى حلقات القيد المحكم حول قوت الشعب، ومصائر الناس، ومن هنا، فإن الرواية لم تأت تعبيرًا دلاليًا عن آلية القمع البوليسية فحسب؛ بل هي أيضًا تعبير دلالي بكل أبعاده التاريخية والراهنة، عن الوهم الذي تزرعه سلطة الاستبداد، في عقول الناس ونفوسهم، فتجعلهم يهتفون لها إعجابًا، وولاءً، في اللحظة نفسها، التي تسوقهم فيها إلى الموت، وهذا ما تكتشفه عين الرحّالة، التي تشكل قناعًا مناسبًا للكاتب في رصد الحالة بأكمل صورها، فترى الوباء، والقيود، والعماء، وتشهد القمع والهلاك، مثل قدرٍ لا رادّ له، أُنزِل على الناس: