فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 169

وللسلطة في"الزيني بركات"جهازها الإعلامي التابع للجهاز المباحثي /كما هي الحال في الدولة الأمنية المعاصرة/، فقد:"جرت العادة.. أن يتبع جميع المنادين لكبير البصاصين، ترسل إليه نصوص النداءات، طريقة نشر الحادثة أو الخبر قد ينتج عنها أمور جسام، بل إن كبير البصاصين ينبّه بضرورة تحمّس المنادين عند نقل خبر بعينه، أو تصنّع الحزن والفتور لحظات نشره، كلها عوامل تؤِّثر في الخلق"/ص 74 - 75 /.

ونظرًا لشمولية الرؤية القمعية للسلطة، لا بد من وضع كل ساكن أو متحرك، تحت أعين البصاصين:"الشعراء في المقاهي، وأرباب العمل والمغاني في الطرب، أصحاب فنون الرقص، الحواة، وعّاظ المساجد، يخضعون بشكل أو بآخر إلى نقابة البصاصين"/ص 102/ -وقد نجح هذا الجهاز الإعلامي -المباحثي -في إيهام الناس بعدل الحاكم المستبد، ونزاهته الزائفة.

ومن هنا يمكن القول أيضًا أن الغيطاني في روايته المتميزة عالج موضوع تدمير الإنسان في دولة القمع الشامل، وفضح راهنية الممارسة الاستبدادية التي تنتج الهزيمة، وتنفي عن الإنسان ميزته العقلانية -عبر الإلغاء والتشيّؤ -تدوس على القيم وتدمّر اللحظة الأخلاقية بالنزعة الوصولية، والخديعة التاريخية، ولهذا نرى الزيني بن موسى يتحدث ظاهريًا بالفضيلة، ويكون جوهره الكذب والخديعة، وممارسة القمع بشتى أشكاله، المرئية وغير المرئية، وهو بذلك يتمثل بنية السلطة المستبدة؛ ويستجيب إلى قواعدها الفلسفية في الحكم، مستندًا إلى مهاراته الشخصية، مبتكرًا أساليب قهرٍ أخرى، تشكل إضافة نوعية للرؤية القمعية الظلامية، المتجسدة في"علي بن أبي الجود"الذي سبقهُ، وفي زكريا بن راضي الذي يعمل معه، وبهذا تفقد العدالة -في دول القمع والظلام -معاييرها؛ وتفقد القوانين معنى وجودها ويغيب العقل في عطالة من الطاعة العمياء، للأشخاص وليس للقوانين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت