فهرس الكتاب
هكذا يرسم الغيطاني بتقنية فنية رفيعة -عبر فصول متعددة، متداخلة -شخصية سعيد الجهيني، لتتوضح من خلالها أسباب هزيمته الشخصية الشعبية، وانعدام فعاليتها واقترابها من الموت بمعنى الإلغاء؛ إنها"شخصية وجودية مغتربة تارةً ورومانسية حالمة تارةً أخرى"، لا تملك ذاتها، ولا قرارها، تعيش حالة القمع، ولا تستطيع الفرار منه.
وقد تبدو شخصية الشيخ"أبو السعود الجارحي"أمرًا مُختلفًا، فهو المدافع عن الحق والعدالة والمناهض للسلطة، تتمثل في سلطة روحية، قادرة على جعل الناس يلتفون حولها، فهو"الطيب الصالح"العارف بأمور الدنيا، يتحلى بمعرفةٍ عميقة وشاملة، وعلمٍ جامع، وحين يعلم باستخدام الزيني بركات لاسمه لاستغلال الناس، يستدعيه إلى"كوم الجارح"ويقول له:"يا كلب لماذا تظلم المسلمين..؟، لماذا تنهب أموالهم وتقول كلامًا تنسبهُ إليّ..؟.."ص 0301) -ثم أمر تلاميذه بإلقاء القبض عليه وقد أوسعوه ضربًا، على رأسه بالنعال حتى كاد يهلك.
غير أن تماسك الشيخ، ودعوته للجهاد ضد الاحتلال العثماني، لا يعود إلى تبنّيه قضايا الشعب السياسية والاجتماعية، بل يعود إلى نسق تاريخي له جذوره ومهابته، يتجلى بنسق رجال الدين ودورهم التاريخي في المجتمع الإسلامي، ولذلك تأتي العلاقة بين الشيخ -كسلطة دينية -والعامة، كالعلاقة التي يحتلّها السلطان في المجتمع السياسي، وهي بالتالي تعبير عن علاقات اللا تكافؤ التي أنتجتها التجربة التاريخية في الماضي، والحاضر، وربّما في المستقبل، فتبدو هذه العلاقة، بين شخصيات السلطة القامعة، والشخصيات الشعبية المقموعة، علاقة تناقضية تدميرية، ينبني على أساسها الفعل الروائي. ويتجلّى في: