فهرس الكتاب
في ضوء ما سبق، تبدو العلاقات التناقضية -المؤسَّسة على القمع- وأسباب حركتها التي أسَّست لهزيمةٍ قديمة، هي نفسها التي قادت المجتمع والسلطة إلى هزيمة جديدة (41) .
في هذا المناخ تجتاح السلطة الأمكنة كلها، أما الشعب فيلوذ بالصمت والانفعال، محاصرًا بالقهر والعجز؛ فإنْ ظهر الناسُ، كان ذلك في المناسبات التي تسمح بها السلطة، وضمن توجيهاتها المرسومة بدقة/ أراء زكريا بن راضي وخططه في بناء جهازه المباحثي -البصاصين-، -عقاب علي بن أبي الجود-، حادثة الفوانيس- أخبار الحربْ. الخ/.
إن تغييب الشعب وتهميشه؛ هو الذي جعل من الصوت"الشيخ الجارحي"، صوتًا منفردًا، يقف مع الشعب، ولا يكون معه، خاصة وأنه يتكيء -كما ذكرت سابقًا- على هالةٍ متوارثة، لها الاحترام والقداسة.
فالغيطاني يجعل من الشيخ الجارحي شخصية سلبية زاهدة، تلاحقها الرغبة في التنسك، يستيقظ من زهده متأخرًا، وقد انهزمت مصر -
السلطان الغوري- أمام جيوش السلطان العثماني، فيخرج من سردابه لاستنفار الناس (42) .
لكن ديمومة الاستبداد، التي تجلت في عالم الرواية، عبر البحث المتعثر الخجول عن عالم الحرية، يجعلان منها رواية بلا زمن، أي رواية تحتضن جميع الأزمنة، وتظلّ طليقة بشكلها النموذجي.
إن تعامل الغيطاني مع الزمن، وتقسيم الرواية إلى تسعة أقسام"سرادقات"، والاتكاء على مذكرات الرحالة البندقي، جاء منسجمًا مع تقنية روائي (43) تهدف إلى بناء خطاب نموذجي عن مجتمع مقموع، وسلطة مستبدة؛ أي تطمح إلى بناء شكل روائي جديد، عير مغامرة روائية تجريبية متفرّدة، تلتقي في موضوعيتها، مع المعرفة التاريخية /الزمان والمكان، ومادة الحدث/، وتتجاوزها، لتحتضن أزمنة وأمكنة متعددة.